وقفات مع قصة نبي الله داود -عليه السلام- (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
قصة النبي داود -عليه السلام- تتناول نموذجًا عظيمًا للملوك الصالحين، الذين جمعوا بيْن كل أسباب نجاح المُلك.
1- تعريف به -عليه السلام-:
- نسبه: نبي الله داود -عليه السلام- أحد أنبياء بني إسرائيل، يمتد نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل -عليهم صلوات الله وسلامه-.
- كان أول أمره صانعًا للدروع يأكل مِن كسب يده: ( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ . أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) (سبأ:10-11) ، وقال: ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ) (الأنبياء:80) .
- كان -عليه السلام- يأكل مِن كسب يده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) (رواه البخاري) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لحمل الجبال عليَّ أهون مِن سؤال الرجال".
2- دعوته -عليه السلام-:
- بداية ظهوره مجاهدًا في جيش "طالوت الملِك"، وكان المُلك في بني إسرائيل في سبط والنبوة في سبط: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (البقرة:246) ، ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ) (البقرة:247) ، ( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (البقرة:250-251) .
- جمع الملك والنبوة: ( وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) (البقرة:251) .
فائدة: "النبوة ليست مكتسبة، وإنما هي اصطفاء واجتباء":
- زعمَ بعض الفلاسفة أن النبوة تُنال بالكسب عن طريق المجاهدة والجد، وقد طمع أمية بن أبي الصلت أن يكون نبي العرب بمثل ذلك: قال الله -تعالى-: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام:124) ، وقال: ( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ) (الحج:75) .
- وزعم بعض الكفار أنها تتحقق للعظماء مِن أهل الدنيا دون الفقراء؛ ولذلك أنكروا رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال الله عنهم: ( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (الزخرف:31-32) .
3- داود الملك:
- أول وظيفة الملوك هي إقامة الدين في الأرض: قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (الحج:41) .
- الملوك جعلهم الله خلفاء الله في الأرض ليحكموا بيْن الناس بالحق: قال الله -تعالى-: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) (ص:26) . قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "صنفان إذا صلحا صلحت الأمة: الأمراء والعلماء".
- مِن وظائف الملوك منع الظلم بيْن الناس: قال الله -تعالى-: ( وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ).
- وقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
- فضل الملك العادل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبْعَة يظلهم الله -تَعَالَى- فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ... ) (متفق عليه) .
- جمع داود -عليه السلام- كل هذه المقومات لإدارة ملكه: قال الله -تعالى-: ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (ص:20) .
4- داود -عليه السلام- القاضي:
- أُعطي داود -عليه السلام- قوة في الفصل بيْن المتخاصمين: ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ).