تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد هالني الفيديو المصوَّر الذي أذاعته جماعة "أنصار بيت المقدس" التي صارت تُسمَّى "ولاية سيناء!" التابعة لتنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية في الشام والعراق "داعش"، وكيف استباحوا قتل جنود وضباط الجيش المصري الذي سموه: "جيش المرتدين!"، وحكموا على عموم أفراده بالردة ووجوب القتل؛ لأنهم جنود "الطاغوت" غير المكرَهين!
واستدلوا بكلام العلامة الشيخ "أحمد شاكر" في مقاله المشهور فيمن عاون الإنجليز والفرنسيين في قتالهم ضد المصريين والجزائريين المسلمين إبان الاحتلال، ويا ليتهم تعلموا مِن الشيخ مِن كل مقالاته ومواقفه... ! ليعلموا حقيقة مذهب الشيخ، ومَن الذين يكفـِّرهم.
وأنا أنقل هنا مقالة سبق نشرها للشيخ "أحمد شاكر"، وهي: "الإيمان قيد الفتك" في حرمة الاغتيال تعليقًا منه على اغتيال جماعة الإخوان لرئيس الوزراء المصري آنذاك "محمود النقراشي"؛ لأنه أصدر قرار حل جماعة الإخوان المسلمين.
وأذكِّر بأن "النقراشي باشا" كان رئيسًا للوزراء إبان الاحتلال البريطاني لمصر، وكان مِن ضمن التهم أنه عميل للإنجليز؛ لأنه يتعاون معهم، وكانت القوانين المحكوم بها هي القوانين الوضعية التي كان إلى ذلك الحين مِن ضمنها تقنين البغاء! ولم يكن الدستور المصري "آنذاك" ينص على مرجعية الشريعة الإسلامية -لا مبادئ ولا أحكام-، بل يجعلها في المرتبة الرابعة بعد نصوص الدستور ثم القانون ثم العرف، واشتبك جنود الشرطة مع جوالة الإخوان في صدام في بعض المظاهرات.
ومع كل ذلك لم يكفـِّر الشيخ "أحمد شاكر" الملك "فاروق" ولا "النقراشي باشا"، بل رجا له الشهادة، بل وكفـَّر مَن قتله مستحلاً، وكلام الشيخ "أحمد شاكر" مع الملك فاروق "المعظم" ومواقفه تؤكد عدم تكفيره له، وهو الذي صرَّح بأن القوانين الوضعية كفر بواح لا خفاء فيه.
ننقل لكم هذه المقالة التي يلزمكم أيها المدعون الانتساب للسنة والخلافة الإسلامية المقاتِلون للمسلمين متقربين إلى الله بذلك؛ إما أن تكفروا الشيخ؛ لأنه مَن لم يكفِّر الكافر -على طريقتكم- فهو كافر، وإما أن تكفروا أنفسكم؛ لاستباحتكم الدماء المعصومة، وليكن ذلك بداية إن أردتم أن يكون هناك حوار علمي -لا يلزم فيه المباشرة-، بل مَن كان منكم قادرًا على الحوار العلمي عبر الإنترنت بالدليل إن شئتم، بالنقول العلمية إن شئتم، عن نفس العلماء الذين تستدلون بكلامهم.
وابتداءً نقول: نحن نقول بكلام شيخ الإسلام "ابن تيمية" والإمام "محمد بن عبد الوهاب" والشيخ "أحمد شاكر" -رحمهم الله-، لكننا نخالفكم فيما تستنبطونه من كلامهم واستدلالاتهم، ثم في التطبيق على الواقع؛ فنحن لا نوافقكم ولا الشيخ "أحمد شاكر" قطعًا، ولا غيره من أهل العلم بشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب على اعتبار الجيش المصري جيش المرتدين، ولا أن الدولة المصرية طائفة ممتنعة يجب قتالها، ولا أنكم أهل لتكوين دولة الخلافة الإسلامية، ولا أنكم تقيمون الشرع!
بل نقول: أنتم تحكمون بغير ما أنزل الله "مثل خصومكم"، وأنتم تكفرون المسلمين بغير حق، ولولا التأويل لكنتم جميعًا مِن الكفار، وأنتم لا تفهمون كلام المشايخ في قضية كفر النوع وكفر العين، والتكفير بالعموم، ومعنى دار الكفر، ومسائل استيفاء الشروط وانتفاء الموانع التي ضمنها مسألة العذر بالجهل، والتأويل، والخطأ، والإكراه، وغيرها.
فافتحوا أبواب الحوار إن شئتم؛ وإلا فالفصل في الخصومة يوم القيامة، ولا تغرنكم الشعارات التي تخدع الجهال؛ فلا تكونوا منهم، ولا تقدِموا على سفك الدماء المحرمة قبل أن تستبينوا الأمور شرعًا وواقعًا، وفرِّقوا بين الاستنتاج والتحليل وبين الحقيقة واليقين، واحذروا أن تكونوا ذراع الأعداء مِن حيث لا تشعرون في تمزيق الأمة وشعوبها ودولها لتقع فريسة تحت سلطانهم ليتمكنوا منها تمام التمكن.
ولا تنسوا أن 2020م هو الموعد الذي حدده اليهود لهدم الأقصى وبناء الهيكل، ولا تكونوا أعظم وسيلة لتنفير الناس عن الإسلام في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، بل في العالم كله، ولا تنسوا أن السلاح الذي بأيديكم تقتلون به أهل الإسلام هو مِن صنع ومِن توصيل الأعداء إليكم؛ فتدبروا كيف أوصلوه إليكم، ومفاتح الحدود بأيديهم، ولا يخدعنكم مَن قال لكم إن الجيش المصري قد تغيرت عقيدته القتالية إلى قتال المسلمين؛ فهذا لم يقع، وإياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس، والأفعال الظاهرة لها تأويلات عديدة؛ فلا تجعلوا الآراء موضع الحقائق!
وإلى مقال للشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- "الإيمان قيد الفتك"، ثم لنا بعد ذلك -إن شاء الله- تعليق على الاحتجاج بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.
قال الأستاذ أحمد شاكر -رحمه الله-:
"الإيمان قَيْدُ الفتك:
" رُوِّع العالم الإسلامي والعالم العربي، بل كثير مِن الأقطار غيرهما باغتيال الرجل, الرجل بمعنى الكلمة, النقراشي الشهيد -نحسبه غفر الله له وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين-.
وقد سبقتْ ذلك أحداث قدِّم بعدها للقضاء وقال فيه كلمته, وما أنا الآن بصدد نقد الأحكام, ولكني كنتُ أقرأ كما يقرأ غيري الكلام في الجرائم (السياسية) وأتساءل: أنحن في بلد فيه مسلمون؟ وقد رأيت أن واجبًا عليَّ هذا الأمر من الوجهة الإسلامية الصحيحة؛ حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر, ولعل الله يهدي بعض هؤلاء الخوارج المجرمين؛ فيرجعوا إلى دينهم قبل ألا يكون سبيل إلى الرجوع.
وما ندري مَن ذا بعد "النقراشي" في قائمة هؤلاء الناس!
إن الله -سبحانه- توعد أشد الوعيد على قتل النفس الحرام في غير آية من كتابه: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (النساء:93) ، هذا من بديهيات الإسلام التي يعرفها الجاهل قبل العالم, وإنما هذا في القتل العمد الذي يكون بين الناس في الحوادث والسرقات وغيرها؛ القاتل يَقتل وهو يعلم أنه يرتكب وزرًا كبيرًا.
أما القتل (السياسي) الذي قرأنا جدالاً طويلاً حوله؛ فذاك شأنه أعظم؛ وذلك شيء آخر.