الحقيقة والمجاز في صفات الله -تعالى- (4)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء أكان سمعيًّا أم عقليًّا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم، وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقِلوه ويتفكروا فيه ويعتقِدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا مِن ظاهره؛ لأن هناك دليلاً خفيًّا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، وكان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان.
فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجاتٍ كثيرة مِن دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة!؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجهمية ومَن وافقهم مِن الأشاعرة يقولون: الظاهر غير مراد، ويعنون به الصفة اللائقة بجلال الله؛ لأنهم لا يثبتون أصلاً هذه الصفات!
(2) المعروف أن أبا الحسن الأشعري -رحمه الله- مرَّ بثلاث مراحل:
- في بداية نشأته: كان على منهج المعتزلة، ثم ناظهرم في مسألة اللطف والأصلح، وكانت سبب تحوله عنهم.
- وفي المرحلة المتوسطة كان -في كثير مِن المسائل- بيْن أهل السُّنة والمعتزلة، كمسائل الصفات مثلاً؛ فأثبت بعض الصفات وأَوّلَ البعض، وبقيت عليه بقية مِن الاعتزال فيها، وفي بعض المسائل كان على النقيض تمامًا مِن منهج المعتزلة، وأخذ بقول مخالفيهم حتى خالفَ أهل السُّنة، فكان في مسائل القدَر يميل إلى الجَبر، وفي مسائل الإيمان يقول بقول المرجئة، بل الجهمية.
- وفي المرحلة الأخيرة ألَّف: "الإبانة عن أصول الديانة"، و"مقالات الإسلاميين" رجع فيهما إلى اعتقاد أهل السُّنة -بحمد الله-.
لكن المرحلة المتوسطة هي التي تأثر بها أكثر المنتسبين إليه؛ فصار الأشاعرة على منهج يخالف أهل السُّنة في كثير من الأصول، وإن وافقوهم في كثير منها أيضًا بالمقارنة إلى المعتزلة والجهمية وغيرهم، فأراد شيخ الإسلام أن يبيِّن الفرق بيْن بعض المنتسبين لمذهب الأشعري ممن يقول بما قاله في الإبانة، وبين البعض الآخر الذي بقي على المرحلة المتوسطة، والتي كان يقول فيها بنفي الصفات الخبرية عدا الصفات السبع، وقد بيَّن شيخ الإسلام -رحمه الله- أن الانتساب إليه يُعد بدعة؛ لأن الواجب اتباع نصوص الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة جميعًا، دون تخصيص واحد منهم بالاتباع؛ خصوصًا إذا كان مع التعصب المذموم والتقليد الأعمى، ولا سيما أنه ليس مِن الأئمة الذين أجمعت الأمة على إمامتهم: كمالك والشافعي وأحمد والسُّفيانين وغيرهم مِن أئمة الحديث؛ لما ينسب إليه مِن أقوال مخالفة لأهل السُّنة، ولو كان قد رجع عنها بعد ذلك، كما أن انتساب بعض الأفاضل إليه، ولو على ما في كتاب "الإبانة" قد يوهم مَن لا يعلم أن كل مَن انتسب إليه حتى ولو كان متابعًا له على ما كان يقوله مِن البدع قبْل رجوعه... أنه على الحق كذلك.