الشرك في الدعاء... شرح المنة (18)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فنقول ليس في الآية وجه للدِلالة على أن الأموات يعاملون كالحاضرين، وإنما المعنى : أن أولياء الله عند الله -سبحانه وتعالى- آمنون وفي نعيم ، وهم في حياةٍ برزخية ، فغير صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حاضر في قبره ، يسمع من دعاه ويجيب دعاءه ، وإنما يسمع من يسلم ويرد عليه السلام ، لأن هذا هو الذي ورد به الدليل ، وهذا الحضور ـ لو سلمنا به ـ فهو حضور مع الموت ، فقد قال الله سبحانه : (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا) .
فإن قيل : هذه الآية في عُبَّادِ الأوثان .
فنقول: إن عُبَّادَ الأوثان يعتقدون أنها صورٌ للملائكة ، والملائكة قد تكون حاضرة ولكن لا اعتبار لهذا الحضور ، لأن العبرة في المخاطَب بالسؤال أن يكون حاضراً بالأسباب الظاهرة ، نشاهده ونَسمَعه ، بخلاف أن نطلب من البعيد والغائب حياً كان أو ميتاً .
فمثلاً لو أن إنساناً يغرق وله شيخ حي غائب عنه فقال : أغثني يا سيدي فلان أو أدركني يا شيخ فلان ، لكان مشركاً بالله شركاً أكبر ، لأن الدعاء هو الطلب على الغيب، والسؤال على الغيب، أي يطلب من الغائب.
وذلك بخلاف ما إذا كان المطلوب منه حاضراً ، فمثلاً لو أن إنساناً يغرق فقال: أدركوني ، أغيثوني للحاضرين أو لمن يتوقع حضورهم بالأسباب الظاهرة ، فهذا طلبٌ مباح ، أما دعاء الجن والملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء ، فهذا هو الشرك الذي أنزل الله - عز وجل- فيه هذه الآيات، لأن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون إنها بنات الله -سبحانه وتعالى-، فأنزل الله فيهم هذه الآيات .
إذن فالدعاء على الغيب، أو الطلب من الغائب، شركٌ سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً، فالأموات وإن كانوا أحياء عند الله - عز وجل- في برزخهم ، إلا أنهم لا يسمعون إلا ما ورد الدليل أنهم يسمعونه ، فهم يسمعون سلام من يسلم عليهم ( ) ، ويسمعون من يسأل الله لهم العافية ويدعو لهم ، وإذا تأملنا في الدعاء للميت ، نجد أن الحي هو الذي يدعو للميت، ولا يجوز أن يُسأل الميت قضاء الحاجات ولا أن يُدْعَى من دون الله ( ) .
والآيات في هذا كثيرة ، لأن هذا هو الشرك الذي وقع فيه عُبَّادُ الأوثان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي كل العهود .
( ) أكثر الناس إنما يعبدون الملائكة والرسل والأولياء ظناً منهم أن ذلك يقربهم إلى الله عز وجل.
( ) يصرفون العبادة لغير الله ويسمونه توسلاً، وشتان بين هذا التوسل الشركي وبين ما يجوز من التوسل الشرعي فتنبه .
( ) رواه البخاري (4920) .
( ) رواه الترمذي (3095) وحسنه الألباني .
( ) فقد ورد الخطاب لهم بذلك ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَتَى المَقْبُرَةَ ، فَقَالَ : « السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ » .
( ) إن من أهل العلم من قال بسماع الأموات، ولكن هذا لا يجيز ولا يبيح دعاءه من دون الله؛ لأن الدعاء عبادة لا تصرف إلا لله، وهؤلاء الأموات لا يملكون ضراً ولا نفعًا، راجع « التعليقات السنية » للمؤلف.
