تركيا التي لا نعرفها (13)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
- ثم بدأ عمله الدعوي في مدرسة تحفيظ للقرآن بجامع في (أزمير)، ثم عمل واعظـًا متجولاً، يلقي مواعظه على الناس في الجوامع في جميع أنحاء غرب الأناضول، يسعى في تربية النفوس وتطهيرها، ويذكرها بخالقها، ويعقد الندوات والمجالس واللقاءات الخاصة ليجيب فيها على الأسئلة الحائرة في أذهان الناس -والشباب خاصة-، ويرتب المحاضرات الدينية والعلمية والاجتماعية والفكرية والفلسفية، وكانت النفوس ظمأى إلى مثل هذا المرشد.
- وقد قام مَن استفادوا مِن أفكاره بإنشاء العديد مِن المدارس الخاصة والمطابع، وألّفوا الكتب، وأنشأوا محطة إذاعية وقناة تلفزيونية في إطار القوانين المرعية في تركيا.
- وقد ازدهرت الحركة مع انتعاش الأنشطة الدينية عامة والطريقة النورسية خاصة -التي تأثرت بها حركة كولن- بعد انقلاب (كنعان إيفرين) العسكري عام 1980م، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي انتشرت المدارس التابعة لـ"كولن" في دول آسيا الوسطى التي عانت مِن الاحتلال الروسي، ومِن الإلحاد الشيوعي سبعين عامًا تقريبًا، ومنها انتشرت هذه المدارس في العالم بأسره.
- تحولت جهود "كولن" -خاصة في التسعينيات- إلى حركة رائدة في الحوار والتفاهم بيْن الأديان والأفكار، تتسم بنوع مِن المرونة والبعد عن التعصّب والانفتاح على العالم، ووجدت صداها في تركيا ثم في خارجها، خاصة بعد دعوة بابا الفاتيكان لكولن واجتماعه به.
فأصبح "كولن" مؤسِّسًا لحركة تمتلك مئات المدارس في تركيا وخارجها، بدءًا مِن جمهوريات آسيا الوسطى وروسيا، إلى المغرب وأوغندا وكينيا، مرورًا بالبلقان والقوقاز، وتملك صحفها ومجلاتها وقنواتها التلفزيونية الخاصة، وشركات خاصة وأعمالاً تجارية، ومؤسسات خيرية، ولها مراكز ثقافية في عدد كبير مِن دول العالم، وتقيم مؤتمرات سنوية في بريطانيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا بالتعاون مع كبرى الجامعات؛ لذا أطلق على "كولن" (أبو الإسلام الاجتماعي)، كما أطلق على "أربكان" (أبو الإسلام السياسي).
- صورت الدوريات الغربية "كولن" كزعيم لحركة اجتماعية إسلامية غير مُعادٍ للغرب، بينما رآه معارضوه في تركيا على أنه الخطر الحقيقي على العلمانية، ويحاول تقويضها عبر أسلمة الممارسات الاجتماعية للأتراك.
بيْن "أربكان" و"كولن":
- بينما يرى "أربكان" أمريكا عدوًا للعالم الإسلامي بسبب تحكم الصهيونية العالمية في قرارها، فإن "كولن" يرى أمريكا والغرب قوى عالمية لا بد مِن التعاون معها.
- يرى "أربكان" ضرورة الوحدة بين العالم الإسلامي، وينظر إلى العالم العربي بوصفه المجال الحيوي لتركيا، بينما يعتبر "كولن" جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز و دول البلقان هم المجال الحيوي لتركيا لعودتها لمكانتها بيْن دول العالم، حيث تضم هذه الدول أقليات تركية هامة.
- يرى "كولن" أن أكثر قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، وما يتعلق بإدارة شئون الدولة فيها قليل؛ لذا لم يعطِ أولوية للدعوة لتطبيق الشريعة في الشأن العام!
- رغم أنه يُنظر إلى "أربكان" على أنه هو أستاذ "أردوغان"؛ إلا أن نهج "أردوغان" في تجربته في حزب العدالة والتنمية يشير إلى أن "كولن" هو الأستاذ الحقيقي لـ"أردوغان".
انتقال "كولن" إلى أمريكا:
- في عام 1999م في حديث لـ"كولن" للتليفزيون التركي صرح بكلام اعتبره البعض انتقادًا لمؤسسات الدولة التركية؛ مما تسبب في تحقيق المدعي العام للدولة معه، ورغم اعتذار "كولن" علانية عن تصريحاته فقد ظل العلمانيون متشككين في أهدافه، ووجهت له اتهامات بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية على حساب مؤسسات الدولة بما فيها الجيش، خاصة بعد تسرب لقطة فيديو لـ"كولن" وهو يقول لأنصاره أنه سيتحرك ببطء مِن أجل تغيير طبيعة النظام التركي مِن نظام علماني إلى نظام إسلامي.
- وقد غادر "كولن" تركيا بعدها إلى أمريكا بدعوى العلاج، وأقام فيها في ولاية (بنسلفانيا) كمنفى اختياري إلى الآن.
- ألّف "كولن" 60 كتابًا، وأغلبها حول التصوف والتدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم، ونال عليها العديد مِن الجوائز، كما كان له كتاب في السيرة النبوية باسم (النور الخالد).
- كان "كولن" حليفًا لـ"أردوغان"، وساهم عن طريق أتباعه في تخفيف وطأة العلمانية داخل الجيش، لكن "أردوغان" اتهمه مِن بعد عام 2013م، بأنه وراء التهم الموجهة للمسئولين في الحكومة بالفساد للتأثير سلبًا على حزب العدالة والتنمية.