صفحات مِن ذاكرة التاريخ (2) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وعن نافع عن ابن عمر: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَمَى النَّقِيعَ لِلْخَيْلِ. قَالَ حَمَّادٌ بنُ خَالِدٍ -راوي هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري-: فَقُلْتُ لَهُ: لِخَيْلِهِ؟ قَالَ: لا، لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ" (أخرجه أحمد) . أي المرصودة للجهاد، أو ما يملكه بيت المال. والنقيع هذا في المدينة على عشرين فرسخًا منها، ومساحته ميل في ثمانية أميال كما في موطأ مالك.
وقد فعل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مثل فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحِمَى، ولما جاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- زاد في هذه المساحة، وضم إليها أماكن كثيرة؛ وذلك لكثرة الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكثرة إبل الجهاد؛ فكان لا بد مِن التوسعة؛ فاتسع الحِمَى فشمل (سرف) و(الربذة)، وكان لعمر عامل على الحمى هو مولى له يدعى "هنيًّا" كما في صحيح البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -رضي الله عنه- اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الحِمَى، فَقَالَ: يَا هُنَيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ -صاحب الإبل القليلة- وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ -صاحب الغنم القليلة-، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ، وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا، يَأْتِنِي بِبَنِيهِ".
ولما كان عهد عثمان -رضي الله عنه- اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وكثرت الخيرات عند المسلمين، وكثرت الإبل، فاتسعت منطقة الحمى إلى أكبر مما كانت عليه، فالذي أجازه النبي -صلى الله عليه وسلم- لسوائم بيت المال، ومضى على مثله أبو بكر وعمر، يجوز مثله لبيت المال في زمن عثمان -رضي الله عنه-، ويكون الاعتراض عليه اعتراضًا على أمر داخل في التشريع الإسلامي.
ولما أجاب عثمان -رضي الله عنه- على مسألة الحمى عندما دافع عن نفسه على ملأ مِن الصحابة أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها؛ لئلا يكون بيْن مَن يليها وبيْن أحد تنازع، وذكر عن نفسه أنه قبْل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيرًا وشاء، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه، وسأل مَن يعرف ذلك مِن الصحابة: "أكذلك؟" قالوا: "اللهم نعم".
ثم إن خير عثمان -رضي الله عنه- سابق على المسلمين منذ أسلم حتى استشهد -رضي الله عنه وأرضاه-؛ فظهر جليًّا أن هذه تهمة منكرة؛ ألقى بها أصحاب النفوس المريضة، والعقول المنكوسة.
ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- تاريخ الرسل والملوك للطبري.
- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.
- منهاج السُّنة لابن تيمية.
- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.
- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.