(صفحات مِن ذاكرة التاريخ) (4) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وَبِالْجُمْلَةِ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُ بِنَفْيِ أَحَدٍ دَائِمًا ثُمَّ يَرُدُّهُ عُثْمَانُ مَعْصِيَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى مِثْلِ هَذَا، بَلْ هَذَا مِمَّا يَدْخُلُهُ الاجْتِهَادُ، فَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لَمْ يَرُدَّاهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَطَلَبَهُ مِنْ عُثْمَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمَا تَوْبَتُهُ، وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ، وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَطَأً مِنَ الاجْتِهَادِ أَوْ ذَنْبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا اسْتِكْتَابُهُ مَرْوَانَ، فَمَرْوَانُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ ذَنْبٌ، لأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْقَلَمُ، وَمَاتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَرْوَانُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَكَانَ مُسْلِمًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْفِتْنَةِ مَعْرُوفًا بِشَيْءٍ يُعَابُ بِهِ، فَلا ذَنْبَ لِعُثْمَانَ فِي اسْتِكْتَابِهِ" (بتصرف مِن منهاج السنة) .
فهذا فيما يتعلق بالحكم بن أبي العاص وقصة نفيه، وعذر عثمان -رضي الله عنه- في رده إلى المدينة على تقدير ثبوت القصة.
ومِن المآخذ التي ذكروها أيضًا: أنه أبطل سُنة القصر في الصلوات في السفر!
وكان ذلك في مِنى في موسم الحج سنة 29هـ، وقد ذكر الطبري أن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- عاتب عثمان في إتمامه الصلاة وهم في منى، فاعتذر له عثمان بأن بعض مَن حج مِن أهل اليمن وجفاة الناس قالوا في العام الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، وهذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين: ثم قال عثمان لعبد الرحمن بن عوف: وقد اتخذتُ بمكة أهلاً "أي أنه صار في حكم المقيم، لا المسافر"، فرأيتُ أن أصلي أربعًا لخوف ما أخاف على الناس، ثم خرج عبد الرحمن بن عوف مِن عند عثمان؛ فلقي عبد الله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: "الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعًا فصليت بأصحابي أربعًا". فقال عبد الرحمن بن عوف: "قد بلغني أنه صلى أربعًا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول". يعني: نصلي معه أربعًا.
قال ابن العربي -رحمه الله-: "وأما ترك القصر فاجتهاد، إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السُّنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فتركها خوف الذريعة مع أن جماعة مِن العلماء قالوا: إن المسافر مخير بيْن القصر والإتمام، واختلف في ذلك الصحابة".
إذن القضية هنا قضية اجتهاد، فقد اجتهد عثمان -رضي الله عنه- في هذا الأمر، وإن كان الأولى هو القصر في السفر، كما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يتم صلاة قط في سفر، إلا أن الأمر كان موضع اجتهاد، ووافقه الصحابة لتجنب الخلاف، ولو كان حرامًا لما وافقه الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا.
فإن كان عثمان -رضي الله عنه- قد أخطأ في اجتهاده هذا؛ فله أجر واحد، وإن كان أصاب فله أجران، وقد كان لعثمان -رضي الله عنه- تأويلات يستند إليها في رأيه كزواجه، وافتتان الناس بالقصر، وهذا الأمر لا يُحل دمه -رضي الله عنه- بأي حال مِن الأحوال، قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتم عثمان، ولا عائشة، ولا ابن مسعود، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم".
وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَكَانَ لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-" (متفق عليه) . يعني في أول خلافة عثمان؛ وإلا فعثمان -رضي الله عنه- كان يتم في آخر خلافته، وما كان ذلك إلا لعلة رآها -رضي الله عنه-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- تاريخ الرسل والملوك للطبري.
- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.
- منهاج السُّنة لابن تيمية.
- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.
- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.