دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (4) محنة المؤمنين
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- موسى وهارون -عليهما السلام- يدعوان على الفراعنة غضبًا لله؛ ولئلا يغتر بهم غيرهم: ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ . قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (يونس:88-89) ، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ) (متفق عليه) .
- بداية البلاء بآيتين مِن بقية التسع: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (الأعراف:130) . "ويظهر أنهم كانوا لا يرون ذلك في بني إسرائيل؛ مما يدل على تعلق الأمر بموسى -عليه السلام- ودعوته، ولكنهم لا يفقهون، بل عاندوا وكذبوا".
- وبدلاً أن يتوبوا ازدادوا كفرًا وتكذيبًا: ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:43) ، ( وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) (الأعراف:132) .
- اشتداد البلاء لعلهم يرجعون: قال الله -تعالى-: ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ) (الأعراف:133) . "ولقد كان ذلك كله مِن باب إقامة الحجة عليهم مِن إرسال الرسل، وإظهار الآيات، والترغيب والترهيب، ولكنهم كفروا وكذبوا!".
- توبة كاذبة يخالطها الاستكبار ثم مِن بعدها نكوث وانتكاس!: ( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) (الأعراف:134) ، ( وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ) (الزخرف:49) ، ( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى? أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ) (الأعراف:135) .
- بل ازدادوا في العناد والكفران: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) (غافر:26) . "ولعله في هذه المدة قد آمن بعض آل فرعون "زوجه - ابن عمه - الماشطة"؛ مما زاده غضبًا وثورانًا".
المشهد الرابع: الأمر بالهجرة والخروج عن أرض مصر:
- الأمر بالرحيل إلى أرض فلسطين ليلاً فرارًا بالدين والنفس: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) (الشعراء:52) ، ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) (يونس:83) .
- الهجرة واجبة إذا عجز المؤمن عن إقامة دينه: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:97) . "نزلتْ في قومٍ أسلموا في مكة وكتموا إسلامهم، وامتنعوا عن الهجرة؛ إيثارًا لأموالهم وأولادهم، مع قدرتهم على الهجرة".
وقفة وعبرة وتوضيح: توسعَ الناس في لفظ الهجرة حتى صار مَن يخرج مِن بلاد الإسلام إلى بلاد الكفار يعد مهاجرًا!: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ لَا تَرَاءَى نارُهُما ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
خاتمة:
شرع بنو إسرائيل في التجهز للهجرة، وانطلقوا بعد ذلك في ليلة واحدة وهم نحو ستمائة ألف أو يزيدون -على قول بعض المفسرين-، وسرعان ما وصل الخبر إلى فرعون؛ فأمر بجمع جنوده مِن جميع أنحاء مصر لطلب بني إسرائيل، وكانوا يزيدون عن ألف ألف أو أكثر! والله أعلم: قال الله -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) (الشعراء:52-56) .
فماذا حدث في هذا اللقاء؟!
هذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.