شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السياسة الشرعية النبوية بيْن التوكل والأخذ بالأسباب (1)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ولنبدأ في دراسة السياسة الشرعية النبوية في المرحلة المكيّة، ثم بعد ذلك المراحل المختلفة في المدينة، قال الله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) (النساء:77) .

هذه الآية مِن أصرح الآيات في إثبات أن المسلمين أُمروا شرعًا في المرحلة الأولى لدعوة الإسلام بكف الأيدي عن القتال، والاهتمام بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم فُرض القتال عليهم بعد ذلك، فكان القتال منهيًّا عنه في هذا الوقت، وهذا الحكم معللٌ عند عامة أهل العلم بضعف المسلمين وقدرتهم، كما أشار إليه القرآن في التخفيف عنهم في الثبات أمام عدوهم لضعفهم بعد ذلك: ( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ) (الأنفال:66) ؛ فالقتال في تلك الحال كان يؤدي لاصطدام المسلمين وإبادتهم.

- قال ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد عن هذه المرحلة: "والله أمرهم بالصبر والعفو والصفح، حتى قويت الشوكة، واشتد الجناح، فأذِن لهم بالقتال، ولم يفرضه عليهم، فقال: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) (الحج:39) .

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في الصارم المسلول: "فمن كان مِن المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف؛ فليعمل بآيات الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله مِن الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين".

- وقال النووي -رحمه الله-: "لو أسروا -أي الكفار- مسلمًا أو مسلِمَيْن: هل هو كدخول دار الإسلام؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لأن إزعاج الجنود لواحدٍ بعيد. وأصحهما: نعم؛ لأن حرمته أعظم مِن حرمة الدار، فعلى هذا لا بد مِن رعاية النظر؛ فإن كانوا على قُربٍ مِن دار الإسلام، وتوقعنا استخلاص مَن أسروه لو طرنا إليهم؛ فعلنا، وإن توغلوا في بلاد الكفر ولا يمكن التسارع إليهم، وقد لا يتأتي خرقها بالجنود، اضطُررنا إلى الانتظار، كما لو دخل ملك عظيم الشوكة طرف بلاد الإسلام، لا يتسارع إليه آحاد الطوائف، وفي الحديث الصحيح: ( دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ ) (رواه أبو داود والنسائي، وحسنه الألباني) ، وهذا أمر بترك القتال مع الترك طالما لم يقاتلونا، وكذا مع الحبشة.

سمات هذه المرحلة:

1- تجنب المواجهة المسلحة "لما استأذن الأنصار النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة لما بايعوه في الجهاد، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ".

2- الثبات التام على الدين اعتقادًا وعملاً ودعوةً، وهذا هو الجهاد في هذا الوقت، قال الله -تعالى-: ( فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) (الفرقان:52) .

3- أمرُ المسلمين بالصبر، والعمل البنائي العلمي التربوي مِن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتحصيل التزكية.

4- الحذر مِن التنازلات المنهجية ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (الكافرون) .

5- الاهتمام بتقوية الروابط بيْن المسلمين ومنع تسرُب اليأس إلى قلوبهم، وتبشيرهم بقرب الفرج.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة