صفحات مِن ذاكرة التاريخ (6) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
ولا نلحظ في كل هذه الولايات إلا اثنين فقط مِن أقارب عثمان -رضي الله عنهما-: عبد الله بن السائب بن قريظ، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، ثم نقول: إن الولاية أمر يجتهد فيه أمير المؤمنين أو الخليفة حسب ما يرى، وحسب مَن يصلح أن يكون أهلاً للإمارة، سواء أكان قريبًا له، أو غير قريب، بل إن له أن يعزل الفاضل، ويولِّي المفضول إن رأى في ذلك مصلحة للمسلمين، أو دفع فتنة عنهم، كما فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما عزل سعد بن أبي وقاص، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وخال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والوحيد الذي افتداه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأبيه وأمه، وولّى بعده مَن هو أقل منه درجة عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ثم زياد بن حنظلة، ثم عمار بن ياسر، ولم ينكر عليه أحد ذلك.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وَقَدْ وَلَّى عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ قَاتِلَ الْحُسَيْنِ، وَوَلَّى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَمْثَالَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ خَيْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ" اهـ .
ومِن التهم التي وُجهت إلى أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-: قالوا: أنه ولَّى الوليد بن عقبة وهو فاسق ليس مِن أهل الولاية.
قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما تولية الوليد بن عقبة فإن الناس -على فساد النيات- أسرعوا إلى السيئات قبْل الحسنات، فذكر الافترائيون أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد؛ لأنه أخي -هو أخوه لأمه أروى بنت كريز-، وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوأمة أبيه".
قال محب الدين الخطيب -رحمه الله- معلِّقًا على هذه التهمة: "قد يظن مَن لا يعرف صدر هذه الأمة أن أمير المؤمنين عثمان جاء بالوليد بن عقبة مِن عرض الطريق فولاه الكوفة، أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة الأنس بأحوال ذلك العصر وأهله فيعلمون أن دولة الإسلام الأولى في خلافة أبي بكر تلقفت هذا الشاب الماضي العزيمة الرضيّ الخلق الصادق الإيمان فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة 12هـ، ثم وجهه مددًا إلى قائده عياض بن غنم الفهري، وفي سنة 13هـ كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائدًا إلى شرق الأردن، ثم رأينا الوليد في سنة 15هـ أميرًا على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة يحمي ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا مِن خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ مسلمهم وكافرهم.
وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايته وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية، فكان مع جهاده الحربي وعمله الإداري داعيًا إلى الله يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى إياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب، وهربت منه إياد إلى الأناضول وهو تحت حكم البيزنطيين، فحمل الوليدُ خليفته عمرَ على كتابة كتاب تهديد إلى قيصر القسطنطينية بأن يردهم إلى حدود الدولة الإسلامية، وحاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشره الدعوة الإسلامية بين شبانها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة:
إذا ما عصبتُ الرأسَ مني بمشوذ فـغيّــكِ مـنـي تـغـلب ابـنــة وائــل
وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب فيفلت مِن يده زمامهم في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمية للعروبة، فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم، وبهذا الماضي المجيد جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان مِن خير ولاتها عدلاً ورفقًا وإحسانًا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة" (انظر تاريخ الطبري) .
وبهذا تبيَّن أنها تهمة باطلة كسابقها مِن التهم.
والله المستعان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- تاريخ الرسل والملوك للطبري.
- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.
- منهاج السُّنة لابن تيمية.
- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.
- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.