الاستقامة على الطاعة بعد رمضان
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الله -عز وجل- لم يجعل نهاية وحدًّا لطاعة العبد وعبادته لربه إلا انتهاء عمره وانقضاء أجله؛ قال الله -تعالى-: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) ، وقال -سبحانه- على لسان عيسى -عليه السلام-: ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) (مريم:31) .
وشأن المؤمن أنه مستقيم دومًا على طاعة ربه في كل حال وفي كل وقت؛ قيل لبِشر الحافي -رحمه الله-: "إن أناسًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون فيه، فإذا انسلخ رمضان تركوا ذلك!"، فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!" .
وشأن المؤمن أنه لا يغتر بالمتكاسلين عن طاعة الله والمفرِّطين ولو كانوا كثرة، فإن الأسوة إنما تكون في الخير وليس في الشر، والعبرة بموافقة شرع الله -تعالى-؛ قال الله -عز وجل-: ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (الأنعام:116) .
وقال وهب بن مُنَبِّه -رحمه الله-: "مَرَّ رَجُلٌ عَابِدٌ عَلَى رَجُلٍ عَابِدٍ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ فُلانٍ، أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ عِبَادَتِهِ وَمَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا، فَقَالَ بِعَجَلٍ: لا تَعْجَبْ مِمَّنْ تَمِيلُ بِهِ الدُّنْيَا، وَلَكِنِ اعْجَبْ مِمَّنِ اسْتَقَامَ" (حلية الأولياء) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: " إذَا رَأَيْتُمْ الْيَوْم شَيْئًا مُسْتَوِيًا فَتَعَجَّبُوا".
وقال بعض السلف: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا".
والاستقامة هي لزوم طاعة الله -تعالى-، وقد أمر الله بها صفوة خلقه وعباده، فقال لنبيين ورسولين من رسله الكرام موسى وهارون -عليهما السلام-: ( فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (يونس:89) ، وأمر بها نبيه محمدًا كما في قوله -تعالى-: ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) (الشورى:15) .
وكذلك أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها وحض عليها: فعن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وحُجُّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُستَقَم بِكُمْ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
وعن سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ قُلْ لِي في الإِسلامِ قَولاً لاَ أَسْأَلُ عنْه أَحداً غيْركَ. قَالَ: ( قُلْ: آمَنْت باللَّهِ: ثُمَّ اسْتَقِمْ ) (رواه مسلم) .
وفي قول الله -تعالى-: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ... ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ"؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قيل له: قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ: ( شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا ) (رواه الترمذي والطبراني، وصححه الألباني) .
مِن ثمرات الاستقامة:
- سعة الرزق: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) (الجن:16) .
- الرفعة في الدنيا قبل الآخرة: قيل لابن المبارك -رحمه الله-: "ابن عون بمَ ارتفع؟!" قال: "بالاستقامة!".
مِن أسباب تحصيل الاستقامة:
- الدعاء والتضرع إلى الله كما علمنا -سبحانه- أن ندعوه في ركعة مِن ركعات الصلاة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )؛ فعلى العبد أن يعلم أنه لا غنى له عن توفيق الله طرفة عين أبدًا، وأن قلبه ليس بيده وإنما القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها -سبحانه- كيف يشاء، قال مُطَرِّفٌ بن عبد الله -رحمه الله-: "لَوْ أُخْرِجَ قَلْبِي فَجُعِلَ فِي يَسَارِي وَجِيْءَ بِالخَيْرِ فَجُعِلَ فِي يَمِيْنِي مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أُوْلِجَ قَلْبِي مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَكُوْنَ اللهُ يَضَعُهُ" (سير أعلام النبلاء) .
- صحبة الأخيار والصالحين، والابتعاد عن الأشرار والفاسدين: فقد أمر الله صفوة الخلق -صلى الله عليه وسلم- بأن يحبس نفسه مع الرفقة الصالحة رغم أنه أفضل منهم، وأعظم منهم قدرًا وشأنًا؛ فأنزل الله عليه: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف:28) .
نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا الاستقامة على طاعته وعبادته، وأن يهدينا إليه صراطا مستقيمًا.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.