الأمين (5) القائد الجندي
مصطفى دياب • فتية الإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وصلت رسالة الصديق إلى " أبي عبيدة " بالتنحي عن قيادة الجيش، وتسليم اللواء ل ـ" خالد بن الوليد " صاحب الخبرة الحربية العالية، وما زال " خالد " يقطع الصحراء، ولم يصل بعد إلى " أبي عبيدة " ، وبمجرد وصوله استقبله " أبو عبيدة " بالترحيب، وسلمه لواء الجيوش ، وأصبح القائد السابق جندي ًّا من أطوع جنود القائد الحالي تحت إمرة " خالد بن الوليد " -رضي الله عنه-.
بدأت معركة " اليرموك " بين جيوش المسلمين وبين جيوش " الروم "، وقد أمر عليهم " هامان "، وكان " أبو عبيدة " قائدًا لأحد الجيوش في هذه المعركة ، وأبلى فيها بلاء حسن ً ا ، وأثناء التحام الجيوش والمعركة على أشدها مات " أبو بكر الصديق " -رضي الله عنه-.
وكتب " عمر " إلى أبي عبيدة -رضي الله عنه- يقول: "انتقل " أبو بكر " إلى رحمة الله ، وقد أمرت بعزل " خالد بن الوليد " عن إمارة الجيوش ، وعليك أنت يا " أبا عبيدة " أن تتولى الإمارة ، فأبلغ " خالد ً ا " بما أمرت به ، والسلام عليك" .
لقد كان " عمر " -رضي الله عنه- حريص ً ا على عقيدة الناس وصلاح قلوبهم ، ولذا ؛ خشي أن يتعلق الناس ب ـ" خالد " ، وتنحرف قلوبهم عن التوجه لله -تبارك وتعالى- ، كما كان يخاف على " خالد " -رضي الله عنه- أن يدخله عجب أو غرور فيهلك الجيش ويهلك " خالد " -رضي الله عنه-.
لقد بلغ " خالد " في قلب " عمر " منزلة عظيمة ، فقد قيل ل ـ" عمر " : "لو عهدت يا أمير المؤمنين ، قال: لو أدركت " أبا عبيدة " ، ثم وليته ثم قدمت على ربي ، فقال لي: لم استخلفته؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: ( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ " أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ " ) ( متفق عليه )، ولو أدركت " خالد بن الوليد " ثم وليته، فقدمت على ربي لقلت : سمعت عبدك وخليلك يقول: ( خالِدُ بنُ الوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله ، سَلَّهُ الله على المُشْرِكِينَ ) ( رواه ابن عساكر ، وصححه الألباني. ) .
تحليل وفوائد:
1- أخي الحبيب ، ما أرق هذه القلوب! وما أعمق علومها! وما أكثر تقواها وخشوعها ! وما أروع تجردها لله وحبها! لقد نال خالد من مدح القوم ما نال ، وهو له أهل ، ها هو عمر الذي يقول فيه: "عجزت النساء أن يلدن مثل خالد" ، وهذا خالد القائد المعزول يوصي عند موته بخيله وسلاحه ل ـ" عمر " في سيبل الله.
أرأيت كيف كان حب " عمر " ل ـ" خالد " وخوفه عليه؟ وكيف كان حب " خالد " ل ـ" عمر " -رضي الله عنه-؟ إن مثل " خالد " لا يُبكى بدمع العين ، بل يُبكى بقطر الدم ، إن عزل " خالد " الآن خير له ولجيش المسلمين.
2- التجرد لله من أسباب سلامة القلب، فقد استوى الأمر عند " أبي عبيدة " أن يكون جندي ًّ ا أو قائد ً ا ، وهذا ؛ لأنه يخدم دين الله، ويعمل لله بإخلاص في أي مكان، لا يبتغي شهرة ولا سمعة.
3- أمتنا أمة ولادة لا تموت بموت القادة ، وكذلك دعوتنا لا تموت بموت الدعاة، ولا تسافر بسفرهم حتى تكون دعوة ناجحة، فقد مات " الصديق " ولم تتوقف المسيرة، بل استكمل الطريقَ رفيقُهُ في الطريق " عمر بن الخطاب " -رضي الله عنه-.
4- الحرص على عقيدة الناس أهم من الانتصار في الحروب ، ماذا يكسب " عمر " إذا انتصر على " الروم " وضاعت عقيدة المسلمين؟! ولذا ؛ رأى أن يعزل خالد ً ا الذي تعلقت قلوب الجنود به حتى كادوا يظنون أن النصر مع " خالد " .
5- إن ثبات العقيدة ورسوخها صورة من صور انتصار المنهج.
6- حب الدين مقدم على حب الأشخاص، ولذا ؛ عزل " عمر " خالد ً ا ؛ حفاظ ً ا على عقيدة المسلمين.
7- الحب الحقيقي الصادق بين " عمر " و " خالد " -رضي الله عنهما-.
8- دفعك الفتنة عن صاحبك من أعظم صور الحب.
