شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسائل المواساة لأهل الفقر والمعاناة (3) (موعظة الأسبوع) لماذا زاد الغلاء والبلاء والمعاناة؟

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الرسالة:

التنبيه على أن السبب الحقيقي للأزمة، هو الإعراض عن دين الله، وانتشار المعاصي والذنوب، وبيان أن الأسباب الظاهرة ما هي إلا نتائج لهذا السبب الحقيقي.

المقدمة:

- غلاء الأسعار هو حديث الناس الذي لا يتوقف؛ غلاء الأسعار صار حديث الغني والفقير، غلاء الأسعار حقيقة واقعية مؤلمة، ونار محرقة، اكتوى بها الأغنياء؛ فكيف بالفقراء؟!

غلاء الأسعار... ألم يتضاعف كل يوم على الفقراء، بل كل ساعة، بل أقل؛ مما جعل كثيرًا مِن الفقراء الصالحين يئنون تحت وطئته، ولسان حالهم ومقالهم يقولون: ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) (البقرة:286) ؛ فكيف الحال بالفقراء ضعفاء الدين والإيمان؟! الذين صاروا يصرخون ويبكون و يجزعون!

ولقد صار لسان حال الجميع ومقالهم: "لماذا زاد الغلاء والبلاء والمعاناة؟!".

- سؤال تباينت الأجوبة عليه، واختلف الناس بسببه في تقديراتهم وآرائهم؛ فمنهم مَن يرجع ذلك إلى أسبابٍ سياسية: كالضغوط العالمية، والمخططات لإسقاط البلاد، وكإخفاق صناع القرار في إدارة الأزمة. ومنهم مَن يرجع ذلك إلى أسبابٍ اقتصادية: كالركود العالمي للتجارة، وآثار الثورات، وضعف الاستثمارات. ومنهم مَن يرجع ذلك إلى أسبابٍ اجتماعية وأخلاقية: كجشع وفساد الكثير مِن التجار ورجال الأعمال، وكإمساك وبخل الكثير مِن الأغنياء.

- والحقيقة أنها كلها غير متعارضة، بل هي كلها مجتمعة يصلح أن تكون هي سبب الغلاء والبلاء، ولكننا لا نستطيع أن نتناول هذه الأسباب كلها في حديثنا، بل فيها ما يحتاج إلى أهل تخصص وتحليل؛ ولذلك سنقف مع الأسباب الاجتماعية التي أشرنا إليها لتعلقها بحياة الفقير اليومية، ونكتفي بالإشارة السابقة إلى الأسباب الأخرى.

- ونعني بالأسباب الاجتماعية والأخلاقية سببين، وهما: "فساد كثير مِن رجال الأعمال والتجار - وإمساك وشح كثير مِن الأغنياء".

1- فساد كثير مِن رجال الأعمال والتجار:

- الغالب في التجار الفساد إلا مَن رحم الله؛ فكيف في هذه الأزمة؟!: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى المُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: ( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ )، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ( إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ، وَبَرَّ، وَصَدَقَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- احتكر التجار السلع والدولار، وتواطئوا على آلام الفقراء والمساكين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ ) (رواه مسلم) ، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرَصَةٍ ظَلَّ فِيهِمُ امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِعًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-" (رواه أحمد) .

- جمع الكثير منهم القناطير المقنطرة مِن الأموال في هذه الموجة بلا رحمة، غير مبالين بآلام الفقراء والمحتاجين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- أيها التجار... احذروا العقوبات الإلهية، والنقمات الربانية "الخسارة التجارية - الأمراض الفتاكة - فساد الورثة": ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (الفجر:14) ، ( أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ) (المطففين:4) .

- أيها الفقير... إذا كان رجال الأعمال والتجار علقوا قلوبهم بالدولار؛ فعلق قلبك بالرازق الجبار: ( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (الطلاق:3) .

2- إمساك وبخل الكثير من الأغنياء:

- أمسك الكثير مِن الأغنياء عن الزكاة والصدقة خشية الفقر بعد غلاء الأسعار، ونسوا أن الزكاة ركن مِن الإيمان وحق للفقير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) (متفق عليه) ، وفي حديث معاذ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: ( إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ... ) وفيه: ( فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ ) (متفق عليه) ، وقال الله -تعالى-: ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) (الأنعام:141) .

- الزكاة والصدقات تذهِب الحسد والضغينة مِن قلوب الفقراء، ويحل معها الحب والدعاء، وليس الفقراء فحسب، بل الملائكة يدعون له كذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ، أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية