وثيقة المدينة مع اليهود... ملامح ومعالم (8)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أشرنا في المقال السابق إلى حديث أبي داود عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أَتَى نَفَرٌ مِنْ يَهُودٍ، فَدَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْقُفِّ -وهو اسم وادٍ بالمدينة- فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ: إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ، فَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: ( بِالتَّوْرَاةِ )، فَأُتِيَ بِهَا، فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ، فَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: ( آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ ) ثُمَّ قَالَ: ( ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ )، فَأُتِيَ بِفَتًى شَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ. وذكر الحديث إلى آخره، وإن كان فيه مقالٌ؛ إلا أن عموم القرآن وبقية الأحاديث تشهد لصحة معناه، وحَسّنه الألباني في "صحيح أبي داوود".
وذكرنا أن لنا فيه وقفاتٍ:
الأولى: أن الحديث يدل على أن اليهود كان لهم بيوت لتعليم دينهم ومُدارَسَتِه لأتباعهم ولأولادهم، وأنهم لم يكونوا يُمنَعون مِن ذلك، وعلى هذا؛ يصح لأهل الذِّمَّةِ والمُعاهَدين أن يخصِّصوا في بيوتهم -أو ما يملكونه- مدارس خاصة بهم، يُعَلِّمون فيها أتباعَهم دينَهم، وأن ذلك ليس إقرارًا مِن المسلمين بالكُفر، ولا رضًا به، بل هذا مِن الأمور التي يصح العهد والصُلح عليها، مع الاهتمام بدعوتهم إلى الإسلام، واستحباب الذهاب إليهم في مَدارِسِهم ومَعَاهِدهم ومُناظَرَتِهم في دينهم، ودعوتهم إلى الإسلام، ومناشدتهم بالله أن ما جاء به الأنبياء هو الحق الذي بُعِثَ به رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا متكرر في مواضع مِن السُنّة.
الثانية: قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) (المائدة:42) : "هذا تخيير مِن الله -تعالى-، ذكره القشيري؛ وتقدَّم معناه أنهم كانوا أهل موادَعة لا أهل ذمة؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قَدِمَ المدينة وادَع اليهود، ولا يجب علينا الحكم بيْن الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا.
فأما أهل الذمة، فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟
قولان للشافعي، وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم. قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بيْن المسلم والذمي، واختلفوا في الذميين؛ فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مُخَيَّر؛ روي ذلك عن النخعي والشعبي وغيرهما، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما، سوى ما روي عن مالك في ترك إقامة الحد على أهل الكتاب في الزِّنا؛ فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حُدَّ ولا حَدَّ عليها، فإن كان الزانيان ذميين فلا حَدَّ عليهما؛ وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهما، وقد روي عن أبي حنيفة أيضًا أنه قال: يُجلَدان ولا يُرجَمان، وقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وغيرهم: عليهما الحد إن أتيا راضيين بحكمنا. قال ابن خويز منداد: ولا يرسل الإمام إليهم إذا استعدى بعضهم على بعض، ولا يحضر الخصم مجلسه إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد كالقتل ونهب المنازل وأشباه ذلك، فأما الديون والطلاق وسائر المعاملات فلا يحكم بينهم إلا بعد التراضي، والاختيار له ألا يحكم ويردهم إلى حكامهم.
فإن حكم بينهم حكم بحكم الإسلام، وأما إجبارهم على حكم المسلمين فيما ينتشر منه الفساد فليس على الفساد عاهدناهم، وواجب قطع الفساد عنهم، منهم ومِن غيرهم؛ لأن في ذلك حفظ أموالهم ودمائهم؛ ولعل في دينهم استباحة ذلك فينتشر منه الفساد بيننا؛ ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارًا، وأن يظهروا الزنا، وغير ذلك مِن القاذورات؛ لئلا يفسد بهم سفهاء المسلمين.
وأما الحكم فيما يختص به دينهم مِن الطلاق والزنا وغيره؛ فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا، وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم، وليس كذلك الديون والمعاملات؛ لأن فيها وجهًا مِن المظالم وقطع الفساد. والله أعلم.
وفي الآية قول ثانٍ: وهو ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز والنخعي أيضًا أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله -تعالى-: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) (المائدة:49) ، وأن على الحاكم أن يحكم بينهم؛ وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم، وروي عن عكرمة أنه قال: ( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) نسختها آية أخرى: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ )، وقال مجاهد: لم يُنسخ مِن "المائدة" إلا آيتان؛ قوله: ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) نسختها: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ )، وقوله: ( لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) نسختها: ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ).