العبدُ الصالح الخفِي أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ القَرَني
شحاتة صقر • من تراجم السلف
( مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ ): أَيْ مِنْ بَنِي قَرَنٍ، وَقَرَنٍ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ. والْفَخْذُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ الْأَقَارِبِ، وَهُمْ دُونَ الْبَطْنِ، وَالْبَطْنُ دُونَ الْقَبِيلَةِ. ( وَفِيهِمْ رَجُلٌ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ ): أَيْ يَحْتَقِرُهُ وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أوَيْسًا كَانَ يُخْفِي حَالَهُ وَيَكْتُمُ السِّرَّ الَّذِي بَيْنَهُ وبين الله -عز وجَلّ- وَلَا يُظْهِرُ مِنْهُ شَيئًا. ( إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ ): هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ خَيْرُ التَّابِعِينَ. ( أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ ) هُمُ الْجَمَاعَةُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ يَمُدُّونَ جُيُوشَ الْإِسْلَامِ فِي الْغَزْوِ. "أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ" أَي: ضِعَافِهِمْ وَصَعَالِيكِهِمْ وَأَخْلَاطِهِمُ الَّذِينَ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ كَتْمِ حَالِهِ. "رَثَّ الْبَيْتِ": هُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَلِيلَ الْمَتَاعِ، وَالرَّثَاثَةُ: حَقَارَةُ الْمَتَاعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ.
إن مَن يتأمل في تلك القصة يجد أن أويسًا القرَنيّ -رحمه الله- كان يمكنه أن يكون ملء السمع والبصر، وحديث الناس في طول البلاد الإسلامية وعرضها؛ فقد زكَّاه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ووصفه بأنه خَيْرُ التَّابِعِينَ، وذكَر بعض أعماله الصالحة مِن بِرّه بأمه، وأنه كان مستجاب الدعوة لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، بل إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد نصح الناس أن يطلبوا منه أنْ يدعو لهم، ونقلَ هذه التزكية الخليفةُ الراشد عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه-، وطلب مِن أويس أن يدعو له استجابةً لأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في ذلك.
ولكن أويسًا -رحمه الله- عندما اشتهر أمرُه بيْن الناس لم تعجبه تلك الشهرة، فآثَر أن يكون بيْن عامة الناس لا يلتفِت إلى أمره أحدٌ، وآثَر أن يكون أمرُ صلاحه وطاعته لله -عز وجل- مخفيًّا لا يعلمه أحدٌ إلا الله -سبحانه وتعالى-، بل رفض أن يكتب عمر -رضي الله عنه- توصيةً بشأنه إِلَى والي الكوفة عندما قرر السفر إليها؛ وذلك حتى لا يُعرَفَ هناك، مع أن هذه التوصية ربما كان أويس في حاجة ماسة إليها بسبب شدة فقره كما يبدو مِن وصف أهل الكوفة لبيته ومتاعه.
لقد فضَّل أويسٌ أن يكون في الناس كالياقوتة النفيسة وسط بعض الرمال والصخور التي قد يكون بعضها عديم الفائدة، ووجود الياقوتة بيْن الرمال والصخور لا يُنقِص مِن قدرها عند مَن يعلم القيمة الحقيقية للياقوت والقيمة الحقيقية للرمال والصخور، والمسلم المخلص يشغله أن يرى الله -سبحانه وتعالى- عملَه ويطّلع على قيمته الحقيقية، فيجزيه عليها الأجر الجزيل في الآخرة، ولا يشغله أن يراه الناس الذين قد لا يَنال منهم خيرًا، بل يتمنى أن لو سَلم مِن أذاهم، وقد لا يحسن بعضُهم التفرقة بيْن الياقوت والرمال والصخور.
إن اليأس مِن رضا الناس وثنائهم شِيمة العاقلين وسجيّة الصالحين، قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إني أطمعْتُ نفسي في جوار الله فطمِعَتْ، وأطمَعْتُ نفسي في الحور العين فطمعَتْ، وأطمعْتُ نفسي في السلامة مِن الناس فلم تطمَعْ؛ إنِّي لما رأيتُ الناس لا يرضون عن الله علمْتُ أنَّهم لا يرضون عن مخلوقٍ مثلهم!".
ومِن الأقوال الحكيمة قول الإمام الشَّافِعِيُّ: "رِضَا النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ؛ فَعَلَيْكَ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ نَفْسِكَ فَالْزَمْهُ، وَدَعْ مَا سِوَاهُ وَلَا تُعَانِهِ"، وقول أحد الصالحين: "رضا الناس غاية لا تُدرَك، ورضا الله غاية لا تُترَك؛ فاترُكْ ما لا يُدرَك وأدرِكْ ما لَا يُترَك".
وعمر -رضي الله عنه- في هذه القصة يعطينا بتواضعه درسًا تربويًّا عظيمًا؛ فقد حَرصَ -وهو مَن هو- على لقاء أويس، وحَرصَ على أن يدعو له أويس، وأشاع بيْن الناس ثناء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على أويس، فلن يُنقِص مِن قدْر عمر أن يرفع الله -سبحانه- قدْرَ أويس، ولن يُنقِصَ من قدْر الشيخ أو المربي ارتفاعُ قدْر تلاميذه، وهذا يذكرنا بالراهب في قصة "أصحاب الأخدود" عندما قال لتلميذه الغلام: ( أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي ) (رواه مسلم) ، فالتوريث الدعوي أمرٌ يحتاج إلى إعداد كوادر، وتربيتها وتأهيلها حتى تكون قادرة يومًا ما على تحمل المسئولية.
ويجدر التنبيه هنا إلى: أن إخفاء المسلم لعمله الصالح لا يعني تقصيره في الأعمال الظاهرة: كصلاة الجماعة، والدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- ولو مِن فوق المنابر؛ فتأمل كيف أنّ حِرْص أويس -رحمه الله- على إخفاء عمله الصالح وتجنُّب الشهرة بيْن الناس، لم يمنعه مِن أن يقوم بالأعمال الصالحة الظاهرة، فقد خرج مِن بلده اليمن مجاهدًا في سبيل الله -عز وجل-.
اللهم ارزقنا الإخلاص، وانصرنا على أنفسنا، وطَهِّرْ قلوبنا، وحبِّبْ إلينا الإيمان وزيِّنْه في قلوبنا، وكَرِّهْ إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا مِن الراشدين.