(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وهو العَهد الذي عَقَدَه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع يهود المدينة عند قدومه إليها، ويُعرَف باسم: "وثيقة المدينة"، وقد سَبَق شرحُ بُنودِه في عدة مقالاتٍ سابقةٍ فلتُراجَع للأهمية "وثيقة المدينة... معالم وملامح".
وهذا النوع مِن العُهودِ تثبت به عِصْمَة الدم والمال للكُفَّار، ويكون لهم حقوق حسب العهد، والصحيح أنه ليس منسوخًا -كما ذكرنا-، بل يَجُوز عَقْدُه حسبَ المصلحة.
ومعظم الدساتير المُعَاصِرَة والمُعاهَدات الدولية بيْن الدول أشبه بهذا النوع مِن العُهود، سواء كان الكُفَّار داخل الدولة الإسلامية -كَيَهُودِ المدينة-، أو كانوا في إقليمٍ منها كنوعٍ مِن الحُكْمِ الذَاتِيّ، أو كانوا في دَولة مُستَقِلَّة مثل مُعَاهَدَة السلام أو مُعَاهَدَة الهُدْنَة بيْن العرب وإسرائيل.
النوع الثالث: عَقد الهُدْنَة المُؤَقَّتَةِ بِمُدَّةٍ، وهو المَذكور في قوله -تعالى-: ( إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (التوبة:4) .
وهو العَهدُ الذي عَقَدَه النبي -صلى الله عليه وسلم- لِمُشْرِكي قُرَيش ومَن دَخَل معهم في عهدهم في الحُدَيبية، وهو عقد لازم إلى المُدَّة ما لم يَنْقُضه المشركون.
ويُلاحَظ في مسألة نَقْضِ العَهْدِ أن الذي يُقَرِّر نقضَ العَهد هو الإمام، وليس آحاد الناس؛ فقد تكون المَصلَحة التي يراها الإمام في إمضاء العقد حتى لو نَقَضَ بعضُ المشركين هذا العهد وتَمَكَّن المسلمون منه؛ فقد رَوَى مُسْلِم في صحيحه عن سَلَمة -رضي الله عنه- قال: "قَدِمْنا الحُدَيْبِيَةَ... إلى قوله: فلما اصْطَلَحْنا نحن وأهل مَكَّة فجَعَلوا يَقَعون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبغضتهم؛ فتَحَوَّلْتُ إلى شَجَرَةٍ أُخرى، وعَلَّقوا سِلَاحَهُم واضطجَعوا، فبينما هم كذلك إذ نَادَى مُنادٍ مِن أسفل الوادي: "يا لَلمُهاجِرين؛ قُتِلَ ابنُ زُنَيْم" قال: فاخْتَرَطْتُ سَيْفِي، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئك الأربعة وهُم رُقودٌ، فأَخَذْتُ سِلاحَهُم فجَعَلْتُه ضِغْثًا في يدي، قال: ثم قُلْتُ "والَّذي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّد -صلى الله عليه وسلم- لا يَرْفَعُ أَحَدٌ منكم رَأسَه إِلّا ضَرَبْتُ الذي فيه عيناه" قال: ثم جِئْتُ بهم أسُوقُهُم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وجاء عَمّي عامر بِرَجُلٍ من العَبَلَات يُقالُ له "مِكْرَز" يَقودُه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فَرَسٍ مُجَفَّفٍ في سبعين مِن المشركين؛ فنَظَر إليهم رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "دَعُوهُم يَكُن لهم بدء الفُجُور وثناه" فعَفَا عنهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وأَنْزَلَ الله: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) (الفتح:24) .
والشروط التي تَضَمَّنَها صُلْحُ الحُدَيْبِيَة تُبَيِّنُ لنا دائرةً واسِعَةً في هذا النوع مِن العُهود؛ فقد قَبِل النبي -صلى الله عليه وسلم- شُروطًا مُجْحِفَة بالمسلمين مِن أجل إتمام هذا الصلح.
وفِقْهُ الحُدَيْبِيَة يحتاج إلى تفصيل لعَلَّنا نَذْكُرُه في مقالٍ قادمٍ -إن شاء الله-.