شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ) (6)

صوت السلف • المنهج السلفي

كتبه/ ياسر

برهامي

الحمد لله، والصلاة

والسلام على رسول الله، أما بعد؛

النوع الثاني مِن

نفوس الذين حَرَّم الله قتلهم -طالما بقوا موفين بعهدهم-: الكفار المعاهدون عهدًا

مُقَيَّدًا بمدةٍ، وهي تشبه الهُدنة مُحَدَّدَة المدة بيْن الدول المتحاربة في

زماننا المعاصر.

هذا العقد يلزم الوفاء به

ما لم ينقضه الكفار، ولا يجوز نقضه حتى تنتهي المدة، وأَصْلُه قوله -تعالى-: ( إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ

يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا

إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )

(التوبة:4) ، وقوله -عز وجل--: ( إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

الْمُتَّقِينَ ) (التوبة:7) .

وقد عقد النبي -صلى الله عليه وسلم- صلح الحديبية مع

قريش، ومَن دخل في عهدهم مِن القبائل العربية حول مكة، وكانت مدة الصلح عشر سنين، وقد اختلف أهل العلم في

جواز الزيادة على هذه المدة بعد أن قال عامَّتُهم بجوازها عشر سنين، فمنهم مَن منع

الزيادة على عشر وهو المشهور عند الشافعية ومَن وافقهم، ومِن أهل العلم مَن أجاز

الزيادة على عَشرٍ إذا كانت مصلحة المسلمين في ذلك، وهو قول المالكية، وهو الصحيح

من أقوال أهل العلم.

وقصة الحديبية

أصل عظيم في السياسة الشرعية، وما يجوز فيها، ولنا فيها وقفات في فوائدها

وحِكَمها؛ فلنذكر رواية البخاري لهذه القصة، روى البخاريُ في بَاب الشُّرُوطِ في

الْجِهَادِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ عَنِ

الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَمَنَ

الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله

عليه وسلم-: ( ‏إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ

بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً؛ فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ ‏)‏‏.‏

فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ،

فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ.

وَسَارَ النَّبِيُّ -صلى

الله عليه وسلم- حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ

مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ‏.‏ فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ‏.‏

فَأَلَحَّتْ؛ فَقَالُوا: خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ‏.‏ فَقَالَ

النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا خَلأَتِ

الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ )،

ثُمَّ قَالَ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ

يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ

أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ‏)‏‏.‏ ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ.

قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ

حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ

يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى

نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْعَطَشُ،

فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ؛

فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ،

فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي

نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ

-صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ

لُؤَىٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَىٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ،

وَمَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ

الْبَيْتِ‏.‏

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

-صلى الله عليه وسلم-: ‏(‏ إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ

أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ

الْحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً،

وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ

يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلاَّ فَقَدْ جَمُّوا،

وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى

أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ )‏‏.‏

فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ‏.‏

قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى

أَتَى قُرَيْشًا قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ،

وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلاً، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ

فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لاَ حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ

بِشَيْءٍ‏.‏ وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ‏.‏

قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ

-صلى الله عليه وسلم‏-.‏

فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ

مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى‏.‏

قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى‏.‏ قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي‏؟‏

قَالُوا: لاَ‏.‏ قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ

عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ

أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى‏.‏ قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ

رُشْدٍ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ‏.‏ قَالُوا: ائْتِهِ‏.‏

فَأَتَاهُ فَجَعَلَ

يُكَلِّمُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه

وسلم- نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ؛ فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ

الصفحة التالية