شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا لم نستثمر فرصة وجوده؟! (2)

رجب صابر • التزكية

ثم قال: "ومنها: أنّ المعاصي تزرع أمثالَها، ويولّد بعضها بعضًا حتى يعزّ على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إنّ من عقوبة السيئةِ السيئةَ بعدها، وإنّ مِن ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضًا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرًّا، فتضاعف الربح، وتزايدت الحسنات. وكذلك جانب السيئات أيضًا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة، فلو عطّل المحسِن الطاعة؛ لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحسّ مِن نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتىّ يعاودها، فتسكن نفسه وتقرّ عينه.

ولو عطّل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة؛ لضاقت عليه نفسُه، وضاق صدره وأعيَتْ عليه مذاهبُه حتى يعاودها، حتى إنّ كثيرًا مِن الفسّاق ليواقع المعصية مِن غير لذة يجدها ولا داعية إليها؛ إلا لِما يجد مِن الألم بمفارقتها؛ كما صرّح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول:

وكـأس شـربـتُ عـلى لذة وأخرى تداويتُ منها بها

وقال آخر:

فكانـت دوائـي وهـي دائـي بعـينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبّها ويؤثرها حتى يرسل الله -سبحانه وتعالى- برحمته عليه الملائكةَ تؤزُّه إليها أزًّا، وتحرّضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها، ولا يزال يألف المعاصي ويحبّها ويؤثرها حتّى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزّه إليها أزًّا، فالأول قوّى جندَ الطاعة بالمدد فصاروا مِن أكبر أعوانه، وهذا قوّى جندَ المعصية بالمدد فكانوا أعوانًا عليه".

فما أحوجنا إلى توبةٍ نصوح ينصلح بها حال قلوبنا فتقبل على الطاعات وتنفر مِن المعاصي؛ وإلا فإن مِن عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تكون حاجزًا للعبد عن الإقبال على طاعة مولاه لاسيما في مواسم الطاعات مثل شهر رمضان.

5- الكسل وضعف الهمة في الطاعات:

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ) (متفق عليه) .

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: "وأما الكسل فهو عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة مع إمكانه، وأما العجز: فعدم القدرة عليه، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، وكلاهما تستحب الإعاذة منه".

ومِن جملة علاج الكسل: الصبر؛ فيحتاج العبد إلى الصبر على الطاعات؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية، ثم مِن العبادات ما يكره بسبب الكسل: كالصلاة، ومنها ما يكره بسبب البخل: كالزكاة، ومنها ما يكره بسببهما جميعًا: كالحج والجهاد.

ويحتاج العبد إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال:

- حال قبْل العبادة، وهي تصحيح النية، والإخلاص، والصبر عن شوائب الرياء.

- وحال في نفس العبادة، وهي أن لا يغفل عن الله -تعالى- في أثناء العبادة، ولا يتكاسل عن تحقيق الآداب والسنن، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ مِن العمل.

- الحالة الثالثة بعد الفراغ مِن العمل: وهي الصبر عن إفشائه والتظاهر به لأجل الرياء والسمعة وعن كل ما يبطل عمله، فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى أبطلها" (انتهى مِن مختصر منهاج القاصدين، بتصرف) .

فمن ابتلي بالكسل ولم يصبر على فعل الطاعات ضاع منه عمره؛ لا سيما مواسم الطاعات، مثل شهر رمضان.

الصفحة السابقة