شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

القرآن وأثره العظيم

إيهاب شاهين • من نور الوحيين

فهداية القرآن للناس هي مِن أعظم ما خصَّ الله به القرآن، ولكن لا تكون هذه الهداية في تمامها إلا لأهله الذين يعملون به، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) (الإسراء:9) ، فالنفع التام لمَن عمل بالقرآن وليس مجرد الاستماع أو التلاوة؛ لأن الغاية مِن إنزال القرآن العمل به، وجعله منهج حياة للأفراد والدول والمجتمعات، وحين طبـَّق الناس هذا المنهج كان فيه الهداية والعز والكرامة، قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (الأنبياء:10) ، أي شرفكم.

وهذا الذي فهمه جيل التمكين الأول "الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-"؛ ولذلك قاموا به وجعلوه منهج حياتهم، ولم يجاوزوا آية بعد آية إلا أن يعملوا بها؛ مصداقًا لقوله -تعالى-: ( اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ) (الأعراف:3) ، وقوله: ( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام:106) ؛ ولذلك قال أنس -رضي الله عنه-: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جدَّ فينا!". يعني صار عظيمًا فينا.

وهذا التعظيم ليس لمجرد الحفظ؛ وإلا فصغار الصبيان الآن يحفظون البقرة وآل عمران، بل ينطلقون في حفظ القرآن كالسهم، فمقصود أنس -رضي الله عنه- العمل بما يحفظون، وهذا الذي قاله عبد الرحمن السلمي -رحمه الله-.

قَالَ أَبو عَبدِ الرَّحْمَنِ السُّلَميُّ: "حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ -كَعُثْمَانَ بنِ عفَّانَ، وعبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ وغيرِهِمَا- أنَّهُمْ كانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا ما فِيهَا مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ، قَالُوا: فَتَعَلَّمنْا القُرْآنَ وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا".

ولهذا كانوا يبقون مُدة في حفظ السورة، وهذا الذي عليه الثواب يوم القيامة لمَن عمل وتدبر، وصار القرآن منهج حياته في: عقائده وعباداته وأخلاقه ومعاملاته؛ ولذلك جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن النَّواس بن سمعان الكِلابيِّ، قال: سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلُ عِمْرَانَ )، وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: ( كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا ) (رواه مسلم) .

وعليه تكون البشارة الحقيقية، كما قال الله -تعالى-: ( فَبَشِّرْ عِبَادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (الزمر:17-18) ، فكان الثناء عليهم ليس لمجرد استماعهم فحسب، ولكن لاتباعهم أحكامه وأوامره، واجتناب نواهيه؛ فتمتْ لهم الهداية ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ).

نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة