شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

همسات الوداع!

محمود الحفناوي الأنصاري • التزكية

فاتقوا الله ربكم... وسلوه مِن فضله في ختام شهركم، و( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الحديد:21) .

الهمسة التاسعة تقول: إياكم أن تكونوا كالتي نقضت غزلها مِن بعد قوةٍ أنكاثًا؛ بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، فإذا انسلخ رمضان كان عيدهم إضاعة للواجبات، ونوم عن الصلوات، ومقارفة للمعاصي والمنكرات.

يا هؤلاء... إن كان الله تقبل منكم؛ فليس هذا بفعل الشاكرين! وإن كان الله لم يتقبل منكم؛ فليس هذا بفعل الخائفين.

يا هؤلاء... ليس العيد لمَن لبس الجديد، إنما العيد لمَن خاف يوم الوعيد.

عباد الله... كم هي المعاصي والمنكرات التي يقع فيها المسلمون في العيد، فمنها: إضاعة الصلوات، وشرب المسكرات والمخدرات، والعكوف على القنوات "الفضائحيات!"، ومنها: تزيُّن بعض الرجال بحلق اللحى؛ إذ الواجب إعفاؤها في كل وقت. ومنها: الإسراف في بذل الأموال الطائلة في المفرقعات والألعاب النارية دون جدوى، وحري أن تصرف هذه المبالغ على الفقراء والمساكين والمحتاجين، وما أكثرهم، وما أحوجهم!

ومنها: خروج بعض النساء متبرجات بزينة "متنقبات أو سافرات"، ومِن المعلوم أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى الرجال متبرجة متزينة متعطرة؛ حتى لا تحصل الفتنة منها وبها, قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني) .

وعلى الرجل المسلم أن يَحذر مِن الاختلاط المحرم بيْن الرجال والنساء، ومصافحة المرأة الأجنبية، فعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لاَ تَحِلُّ لَهُ ) (أخرجه الطبراني، وصححه الألباني) .

الهمسة العاشرة: هذه همسة الوداع الأخيرة تقول: جبر الله قلوبكم بفراق رمضان... وتجاوز عما سلف وكان، مِن الذنوب والعصيان.

ترحلت يا شهر الصيام بصومـنا وقــد كـنـتَ أنــوارًا بـكـل مـكـان

لـئـن فـنـيـت أيامك الـزهر بغـتة فـما الحزن مِن قلبي عليك بـفان

عـليـك سـلام الله كن شاهـدًا لـنا بـخـيـر رعـاك الـلـه مِن رمضان

إن القلب ليحزن، والعين لتدمع، ونحن نودع هذا الشهر الكريم، الذي فيه المساجد تُعمَّر، والآيات تُذكر، والقلوب تجبر، والذنوب تغفر.

فيا شهرنا... أتراك تعود بعدها إلينا؟ أو يدركنا الموت فلا تؤول إلينا؟

مساجدنا فيك معمورة، ومصابحنا فيك مشهورة، فالآن تنطفئ المصابيح، وتنقطع التراويح، ونرجع إلى العادة، ونفارق شهر العبادة.

شهرَ رمضان ترفق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم مِن ألم الفراق تشقق.

عسى وقفةٌ للوداع تطفئ مِن نار الشوق ما أحرق.

عسى ساعةُ توبة وإقلاع ترفو مِن الصيام ما تخرق.

عسى منقطعٌ عن ركب المقبولين يَلحق.

عسى أسيرُ الأوزار يُطلق.

عسى مَن استوجب النار يُعتق.

عسى وعسى مِن قبْل يوم التفرق إلى كل ما نرجو مِن الخير نلتقـي

فـيُجـبـَر مـكـسـور ويُـقـبَـل تـائـب ويُعتـَق خـطاء ويُسعَـد مَن شـقـي

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد.

اللهم اجعل هذا الشهر شاهدًا لنا، وحجة لنا لا حجة علينا، اللهم إن كان في سابق علمك أن تجمعنا في مثله فأحسن عملنا فيه، وإن قضيت بقطع آجالنا فأحسن الخلافة على باقينا، وأوسع الرحمة على ماضينا، وعمنا برحمتك وغفرانك، واجعل الموعد بحبوح جنتك ورضوانك.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة