آداب العيد بيْن الشريعة والاصطفاء
نور الدين عيد • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الأعياد مِن خصائص كل عقيدة، ولا ترى أصحاب طريقة وملة إلا ولهم ما يخصهم مِن الأعياد، وإن الله -عز وجل- فضل هذه الأمة على سائر الأمم، وجعلها سابقتهم مع تأخرها عنهم، قال الله -تعالى-: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) (آل عمران:110) .
وهذا التكريم والتفضيل إنما يقع في التشريع أيضًا؛ فلقد فضَّل الله أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في تشريعها، بوضع الإصر والأغلال والتشديد الذي ابتلي به مَن قبْلنا، ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (الأعراف:163) ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:54) ، ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف:157) .
فله الحمد -سبحانه- أن اصطفانا مِن خلقه، وفضلنا على عباده؛ فأوجب شكره وإظهار شعائره، قال -صلى الله عليه وسلم- فيما اختص به عمن قبله: ( وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( نُكْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً، نَحْنُ آخِرُهَا وَخَيْرُهَا ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وقال: ( أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ ) (رواه أحمد بسندٍ حسن) .
فهذا تفضيل في الدنيا والآخرة؛ فأيامنا وأعمالنا وعباداتنا مِن أسباب تفضيلنا ورفعتنا، فلا يصح أن يُقابل المنعم بالجحود أو الكفران، بل يجب إظهار شكره ونعمائه.
- إن الأعياد مِن جملة التشريعات التي شرعها الله -عز وجل- للمؤمنين مِن عباده، فهي على سبيل التوقيف لا الابتداع، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: ( مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ ) قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
فاستبدال الله دليل على اختصاص تشريعه له، وهذا مِن مظاهر تكريمه وتفضيله، فعيد المسلمين الأسبوعي مِن أسباب تفضيلهم وهو يوم الجمعة، فكذا ختام مواسم الطاعات مِن رمضان وعشر ذي الحجة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ -قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ- فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى ) (رواه مسلم) .
والذي يُظهِر هذه الخصوصية، وتميز المسلمين بهذين العيدين، قوله -عليه الصلاة والسلام- لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: ( يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا ) (متفق عليه) ، وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) . ( عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ): (الاختصاص).
وسُمي العيد مِن العود، ونرجو الله أن يكون على الأمة عودًا أحمد، قال ابنُ الأَعرابيِّ: "سُمِّيَ العِيدُ عِيدًا؛ لأَنَّه يَعُودُ كلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ مُجَدَّدٍ"، فعوده على المسلمين يجدد لهم مظاهر الفرح بعد الطاعة، وتقوية الصلات، والتوسعة على الأهل والأولاد.
ومِن جملة هذه الآداب والسنن التي تكون في هذا اليوم:
1- التكبير: قال الله -تعالى-: ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (البقرة:185) ، فمِن الشعائر الظاهرة والشكر الظاهر لنعم الله بإتمامه الصوم أن يُظهِر المسلمون التكبير في أماكنهم، وطرقهم، وأسواقهم، ومساجدهم ومصلياتهم، حتى يشرع إمامهم في الصلاة، وقد تعددت هذه الصيغ عن السلف في التكبير بما لا نزاع فيه ولا افتراق.