شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حكم السحر... شرح المنة (20)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وورد أثر بسند جيد، ذكره ابن جرير الطبري: ( عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل ، جاءت تبتغي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد موته، حداثة ذلك تسأله عن أشياء دخلت فيها من أمر السحر ولم تعمل به، فقالت عائشة -رضي الله عنها- لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيشفيها فكانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها ، فقالت: إن فعلت ما آمركِ به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبتُ أحدهما وركبَتِ الآخر، فلم يكن شيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك ؟ قلت: نتعلم السحر، فقالا : إنما نحن فتنة فلا تكفري فارجعي، فأبيت، وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعتُ إليهما، فقالا: أفعلتِ؟ فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئاً؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فأرببت وأبيت ، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه: فذهبت فاقشعررت وخفت ، ثم رجعت إليهما ، وقلت : قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا : كذبتِ لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك ، فأربيت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى التنور، فبولي فيه، فذهبت إليه فبلتُ فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما، فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارساً مقنعاً خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه، فقالا : صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً، وما قالا لي شيئاً، فقالت: بلى، لم تريدي شيئاً إلا كانَ، خذي هذا القمح فابذري فبذرت، وقلت: أطلعي فأطلعت، وقلت: أحقلي، فأحقلت، ثم قلت: افركي ، فأفركت ، ثم قلت: أيبسي، فأيبست، ثم قلت: أطحني، فأطحنت، ثم قلت: أخبزي، فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كانَ سقط في يدي، وندمت، والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً، ولا أفعل أبداً) .

وهذا يدلنا على أن السحر المُتَعَّلم من هاروت وماروت وكذا المتعلم من الشياطين كفرٌ، ولا يتعلمونه حتى يكفروا، قال -تعالى-: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (البقرة: من الآية102)، وهو ما يُسمونه الصرف، أي صرف قلب الرجل عن المرأة، وعكسه العطف، وهذا الأمر قد يكون بنميمة وغيبة، وقد يكون بتقربٍ من الشياطين تبعاً لنوع السحر.

قال -تعالى-: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية102)، أي بإذن الله الكوني، (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) (البقرة: من الآية102)، فلا يقولن أحدٌ بعد ذلك : إنا نتعلم ما ينفع ، فهذا باطل لأن السحر كله ضار بِنَصِّ القرآن ، ولا يقولن أحد : إني أَحُلُ السِّحر عن المسحور ، وأتعلمه لأنفع به المظلومين ، فهذا ضارٌ أيضاً لأن التقرب إلى السحرة والكهنة والشياطين من أعظم الضرر على الدين.

ولا يجوز حل السحر بسحرٍ مثله ؛ لما رواه أبو داود عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رضي الله عنه- قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ النُّشْرَةِ ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) ، والنُّشرة المقصودة هنا: حل السحر بسحرٍ مثله.

قال ابن القيم -رحمه الله-: النُّشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:

الأول: حل السحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان ، وعليه يُحمل قول الحسن ـ يعني قوله : لا يحل السحر إلا ساحر ـ ، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور .

الثاني: (النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائزٌ) ا.هـ ، وقد أنزل الله -عز وجل- لنا ما يكفينا ، مثل المعوذات التي نزلت لأجل علاج السحر ، ونزلت لدفع شر الشياطين ، وعلمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلا ثُمَّ قَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ) ، فإن قال قائل : فإن لم تنفعه هذه المعوذات؟ فنقول: نعوذ بالله من سوء الظن ، فأنت الذي لا تصلح ، فمن يقول: إن كلام الله والدواء الإيماني القرآني لا ينفع ، فهل يظن أن ينفعه الدواء الشيطاني؟

فقد يكون ما به ليس سحراً، بل مرضاً نفسياً، أو وهماً، فإن الله -عز وجل- يقول: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء: من الآية76)، فكيف تقول أن الشيطان أقوى مما شرعه الله -عز وجل- لنا، فقطعاً هذا كلام باطل.

قال -تعالى-: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (البقرة: من الآية102)، أي من نصيب، أي ليس له في الآخرة من نصيب فيكون كافراً.

رواه البخاري (1766)، ومسلم (89)، والنسائي (3671)، وابن حبان (5561).

مثل الحاوي في زماننا.

أي: ما زِلتِ مالكة لأمرك وأمرك بيدك.

تفسير الطبري (1/501).

رواه أبو داود (3719)، وأحمد (13721)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (3868).

رواه مسلم (2708)، وابن ماجه (3547)، وأحمد (26579 ،26584 ، 26765)، والدارمي (2564) .

الصفحة السابقة