الإسلام وآدمية الإنسان
سعيد السواح • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جاء الإسلام ليُكرم الإنسان ويصونه، ويحرره مِن ذلِّ العبودية لغير الله -تعالى- إلى عز العبودية لله -تعالى-.
جاء الإسلام ليحفظ للإنسان حريته وكرامته وآدميته، وسخـَّر الله للإنسان جميع ما في الكون ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبـَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (الإسراء:70) .
ولقد سخر الله -تعالى- للإنسان كل ما في الكون ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (إبراهيم:32-34) ، ( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:5-8) .
الإسلام وآدمية الإنسان وعدم السخرية منه، وحرمة عرضه:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ ِقَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) (الحجرات:11-12) .
لقد خلق الله الناس درجاتٍ وطبقاتٍ متفاوتة؛ فمنهم الغني، ومنهم الفقير، منهم الطويل، ومنهم القصير، واختلفتْ كذلك ألوان البشر، فهل الفقر معناه انحطاط في رتبة هذا الإنسان؟!
الإسلام وآدمية الفقير:
فالإنسان ليس عُرضة للاستهزاء والسخرية منه أو ازدرائه، فجميعنا خُلقنا مِن مادةٍ واحدةٍ، وبطريقةٍ واحدةٍ؛ فلا أفضلية لإنسانٍ على آخر إلا بالتقوى، والشيطان عندما أبى ورفض السجود لآدم -عليه السلام-؛ لأنه رأى في نفسه أنه أفضل مِن آدم -عليه السلام- مِن حيث المادة التي خُلق منها؛ لذا قال: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (ص:76) .
فالإنسان قد يكون فقيرًا، لكنه ليس بالفقر يَفقد آدميته؛ فالإسلام يحافِظ على آدمية الفقير، ويَحفظ له ماء وجهه، فإنه لا يذل إلا لله -تعالى-، فقد أوجب الله -تعالى- للفقير حقوقًا على الأغنياء، وهذا ليس فيه مَنّ مِن الغني على الفقير، ولكنها حقوق مالية أوجبها الله -تعالى- للفقراء على الأغنياء، ( إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:60) ، ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (المعارج:24-25) .
وعيد الله لمَن لم يقم على مصلحة اليتيم والفقير:
قال الله -تعالى-: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) (الماعون:1-3) ، وقال -تعالى-: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ . ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ . أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) (البلد:11-18) .
فسبيلك أيها الغني للنجاة مِن النار عن طريق الفقراء.
مِن مصلحة الغني البحث عن الفقير: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ) (البقرة:177) .
الغني يبحث عن الفقير؛ لأنه ينجيه مِن النار، ويحمله إلى الجنة؛ فلا سبيل أن يحقق هذه الصفات التي تؤهله للجنة إلا بالبحث عن هذه الطبقة الفقيرة المحتاجة.
الفقير يخلص الغني مِن الذنب: