صفحات مِن ذاكرة التاريخ (28) فتنة حُجر بن عدي -رضي الله عنه-
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وقد اعتمد معاوية -رضي الله عنه- في قضائه على قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ ) (رواه مسلم) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ) (رواه مسلم) . ( هَنَاتٌ ): جمع هَنَّة، والمراد بها هنا الفتن، والأمور الحادثة.
وعن ابن أبي مليكه: إن معاوية جاء يستأذن على عائشة، فأبتْ أن تأذن له، فخرج غلام لها يقال له: ذكوان، قال: ويحك أدخلني على عائشة، فإنها قد غضبت علَيَّ، فلم يزل بها غلامها حتى أذِنتْ له، وكان أطوع مني عندها، فلما دخل عليها قال: "أٌمّاه فيما وجَدْتِ عليَّ يرحمكِ الله؟ قالت: "وجدتُ عليك في شأن حِجْر وأصحابه أنك قتلتهم". فقال لها: "وأما حِجْر وأصحابه فإني تخوفت أمرًا، وخشيت فتنة تكون، تهراق فيها الدماء، وتستحل فيها المحارم، وأنت تخافيني، دعيني والله يفعل بي ما يشاء". قالت: "تركتك والله، تركتك والله، تركتك والله".
وجاء في رواية أخرى: "لما قدِم معاوية دخل على عائشة، فقالت: "أقتلت حجرًا؟". قال: "يا أم المؤمنين، إني وجدتُ قتل رجلٍ في صلاح الناس، خير مِن استحيائه في فسادهم" (تاريخ دمشق لابن عساكر 4/ 273، 274) ، ومع ذلك فقد ذكرتْ بعض المصادر التاريخية أن معاوية -رضي الله عنه- ندم بعد ذلك على قتل حجر بن عدي (تاريخ الطبري 6/ 195، سير أعلام النبلاء 3/ 465) .
قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "فإن قيل: قتل حجر بن عدي -وهو مِن الصحابة، مشهور بالخير- صبرًا أسيرًا، وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله.
قلنا: علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول: قتله ظلمًا، وقائل يقول: قتله حقـًّا.
فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا؛ إلا إذا ثبتْ عليه ما يوجب قتله.
قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق -ولا شك أن الأصل في الدماء أنها معصومة، وذلك ثابت بنصوص الكتاب والسُّنة-، فمَن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لُعن فيه معاوية، وقد كلمته عائشة -رضي الله عنها- في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله. وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بيْن يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين".
وقال محب الدين الخطيب: "فالذين يريدون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما مِن حكومة في الدنيا تعاقب بأقل مِن ذلك، مَن يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعًا بعاطفة الحزبية والتشيع. والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته مِن الحلم وسعة الصدر لمخالفيه.
ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد؛ فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر مِن أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة مِن دمائها، وسمعتها، وسلامة قلوبها، ومواقف جهادها، تضحيات غالية كانت في غنى عنها؛ لو أن هيبة الدولة حُفظتْ بتأديب عددٍ قليلٍ مِن أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب، وكما كانت عائشة -رضي الله عنها- تود لو أن معاوية -رضي الله عنه- شمل حجرًا بسعة صدره، فإن عبد الله بن عمر كان يتمنى مثل ذلك، والواقع أن معاوية -رضي الله عنه- كان فيه مِن حلم عثمان -رضي الله عنه- وسجاياه؛ إلا أنه في مواقف الحكم كان يتبصر في عاقبة عثمان، وما جرَّ إليه تمادي الذين اجترؤوا عليه".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرَّةِ وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَابْنُ الْمُهَلَّبِ وَغَيْرُهُمْ؛ فَهُزِمُوا وَهُزِمَ أَصْحَابُهُمْ، فَلَا أَقَامُوا دِينًا وَلَا أَبْقَوْا دُنْيَا" (منهاج السُّنة 2/ 241) .
وهكذا مرت هذه الحركة مِن المعارضة دون أن تحقق أدنى مصلحة، ولا بد أن نتعلم مِن التاريخ؛ فهو مرآة الأمم .
والله المستعان.