شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (10) بعض أحكام عقد الأمان (1)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وقد رُوِي عن عمر أنه قال: "إذا قلتم لا بأس، أو لا تذهل، أو مترس فقد أمنتموهم، فإن الله -تعالى- يعلم الألسنة"، وروي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال للهرمزان: تكلم ولا بأس عليك. فلما تَكَلَّم أَمَر عُمَر بقَتْلِه، فقال أنس بن مالك: ليس لك إلى ذلك سبيل؛ قد أَمَّنْتَه. قال عمر: كلا. قال الزبير: إنك قد قلت تكلم ولا بأس عليك. فدَرَأَ عنه عمر القتل. رواه سعيد وغيره، ولا نعلم في ذلك كله خلافًا.

وأما إن قال له: قف، أو قم، أو ألقِ سلاحك: فقال أصحابنا: هو أمان أيضًا، لأن الكافر يعتقد هذا أمانًا، فأشبه قوله أَمَّنْتُك. وقال الأوزاعي: إن ادَّعَى الكافرُ أنه أمانٌ، وقال إنما وقفتُ لذلك فهو آمن، وإن لم يَدَّعِ ذلك فلا يُقْبَل. قال شيخنا -يقصد ابن قدامة في المغني-: ويحتمل أن هذا ليس بأمان؛ لأن لفظه لا يشعر به، وهو يستعمل للإرهاب والتخويف، فأشبه قوله لأقتلنك، لكن يرجع إلى القائل، فإن قال نويت به الأمان فهو أمان، وإن قال لم أُرِدْ أمانَه نظرنا في الكافر، فإن قال اعتقدته أمانًا؛ رد إلى مأمنه ولم يَجُز قتْله، وإن لم يعتقده أمانًا فليس بأمان، كما لو أشار إليهم بما اعتقدوه أمانًا".

وقال: "فَصلٌ: فإن أشار المسلم إليهم بما اعتقدوه أمانًا، وقال: أردتُ به الأمان؛ فهو أمان، وإن قال: لم أُرِد به الأمان، فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته؛ فإن خرج الكفار مِن حصنهم بناءً على أن هذه الإشارة أمان لم يَجُز قتلهم، ويردون إلى مأمنهم، فقد قال عُمَر -رضي الله عنه-: "والله لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشركٍ فنزل بأمانه فقتله، لقتلته به" رواه سعيد". ( قلتُ: هذا لا يثبت عن عمر -رضي الله عنه-).

وقال: "وإن مات المسلم -أي المسلم الذي أشار إليهم، ويحتاج إلى السؤال عن نيته- أو غاب، فإنهم يردون إلى مأمنهم، وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر. فإن قيل: فكيف صححتم الأمان بالإشارة مع القدرة على النطق، بخلاف البيع والطلاق والعتق؟ قلنا: تغليبًا لحقن الدم، كما حقن دم مَن له شبهة كتاب، تغليبًا لحقن دمه" (انتهى) .

وهنا تنبيه على هذه النقطة الهامة، وهي: أن أهل العلم يبنون هذا الباب -وغيره- على تغليب حقن دماء الناس عمومًا -ولو كانوا كفارًا-؛ لأن الشرع يُغَلِّبُ ذلك؛ فهذه القاعدة العظيمة خلاف ما يجري مِن كثير مِن الاتجاهات المنسوبة إلى العمل الإسلامي ممن تُغَلـِّب سفكَ دماء الناس -المسلمين وغير المسلمين- بمُجَرَّد الشبهة والاحتمال! نسأل الله العافية.

قال في الشرح الكبير: "فصلٌ: ومَن طَلَب الأمان ليسمع كلام الله -تعالى-، ويعرف شرائع الإسلام؛ وَجَب أن يُعطاه، ثم يُرَدّ إلى مأمنه، لا نعلم في هذا خلافًا، وبه قال قتادة، ومكحول، والأوزاعي، والشافعي، وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس؛ لقول الله -تعالى-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ) (التوبة:6) ، قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة".

قال في المُقْنِع: "ومن أُعْطِي أمانًا ليفتح حصنًا فَفَتَحَه واشتبه علينا فيهم، حَرُمَ قتلُهم واسترقاقهم".

قال في الشرح الكبير: "إذا حصر المسلمون حصنًا، فناداهم رجل: "أَمِّنُوني أفتح لكم الحصن"؛ جاز أن يعطوه أمانًا، فان زياد بن لبيد لما حُصِر النُّجَيْر، قال الأشعث بن قيس: أعطوني الأمان لعشرة أفتحْ لكم الحصن. ففعلوا.

فإن أُشكِلَ عليهم، وادَّعَى كلُّ واحد مِن الحصن أنه الذي أَمَّنُوه لم يَجُز قتلُ واحدٍ منهم؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم يحتمل صدقه، وقد اشتبه المُباح بالمُحَرَّم فيما لا ضرورة إليه؛ فحَرُم الكُلُّ، كما لو اشتبهت مَيتةٌ بمُذَكَّاة، وأُختُه بأجنبياتٍ، أو زانٍ مُحْصَنٍ بمعصومين، وبهذا قال الشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا، ويحرم استرقاقهم أيضًا في أحد الوجهين، وذكر القاضي أن أحمد نَصَّ عليه، وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا في تحريم القتل؛ فان استرقاق مَن لا يحل استرقاقه مُحَرَّم: والوجه الثاني: يُقْرَع، فيُخرَج صاحبُ الأمان بالقُرْعَة، ويُستَرَقّ الباقون، قاله أبو بكر؛ لأن الحق لواحدٍ منهم غير معلوم فأُخرِج بالقُرْعَة" (انتهى) .

فتَأَمَّل هذه المسألة العظيمة التي تدل على ضرورة التَّحرِّي؛ فإنه يمتنع قتل العشرات مِن أهل حصنٍ؛ لاشتباههم بواحدٍ له أمانٌ لا نَدري عَينَه، فوجب الامتناع عن القتل -عن قتل الجميع- مِن أجل عدم إراقة دم معصوم بالعهد.

قال في الشرح الكبير: "قال أحمد: إذا قال الرجل كُفَّ عني حتى أدُلَّك على كذا، فبعث معه قومًا ليدلَّهم، فامتنع مِن الدلالة: فلهم ضرب عنقه؛ لأن أمانَه بشرط ولم يوجد".

قال في المُقْنِع: "ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن، ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية، وعند أبي الخطاب: لا يقيمون سنة إلا بجزيةٍ". (المقصود بمدة الهدنة: عَشْرَ سنين).

قال في الشرح الكبير: "يجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يؤمِّن رُسُلَ المشركين، ولما جاءه رسولا مُسَيلمة، قال: ( لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأننا لو قتلنا رُسُلَهم لقَتَلوا رُسُلَنا، فتفوت مصلحة المُراسَلَة، ويجوز عقد الأمان لكُلِّ واحدٍ منهما مُطلَقًا ومُقَيَّدًا بمُدَّة -يقصد الأمان للرسول والمستأمن-، سواء كانت -يعني المدة- طويلة أو قصيرة" (انتهى) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة