الصمود... والأمواج العاتية
سعيد السواح • قضايا معاصرة
( فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ )؛ فهذه فرصة أخرى للهروب والفرار مِن الملِك، والفرار مِن الموت، ولكن الإيمان إذا خالطتْ بشاشته القلوب؛ فلا تراجع أمام فجور أهل الباطل وسطوتهم.
كيف قابل هذا الغلام المؤمن الملِك في سلطانه، ووسط حاشيته وجنوده بثباتٍ ويقينٍ؟!
( فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي! ).
الملك ينفـِّذ تعليمات الغلام المؤمن! ( فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ ).
هل رأيت هذا الصمود والثبات مِن غلامٍ صغيرٍ، شرح الله صدره للإيمان؟!
وانظر إلى لهجة الغلام في توجيه التعليمات إلى الملك بثباتٍ!
فكيف قابل الناس المحتشدون هذا الحدث؟ ( فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ ).
كيف قابل الملك هذا الموقف الذي هزَّ عرشه وسلطانه؟! ( فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا ).
صمود وثبات أهل الإيمان مع عظيم الفتنة: ( فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ ) (رواه مسلم) .
لقد انتصروا، وانهزم الملك أمام صمودهم وثباتهم على الإيمان؛ فلم يتراجعوا حتى لو كان الأمر يفضي إلى مفارقة الحياة، ولكن ما أجمل وأعظم أن تفارق الحياة ومعك كلمة التوحيد، ولا تفارق كلمة التوحيد حتى لو ستبقى لك الدنيا.
صمود سحرة فرعون وثباتهم:
فهؤلاء السحرة الذين جمعهم فرعون مِن أماكن متفرقةٍ مِن البلدان لينازلوا موسى -عليه السلام-، فلما رأوا الآية التي مع موسى -عليه السلام- علموا أنه الحق، وأن ما جاء به موسى -عليه السلام- ليس بسحرٍ، فما كان منهم إلا أن خروا على الفور سجدًا لله رب العالمين، وأعلنوا عن إيمانهم بالله -تعالى-، وما جاء به موسى -عليه السلام- مِن الحق مِن ربه.
كيف قابل فرعون إيمان السحرة؟! ( قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) (الأعراف:123-124) .
صمود "السحرة" وثباتهم أمام هذه التهديدات الغاشمة:
والله ما اهتزوا، وما تزعزعوا، ولكنهم قابلوا تهديد فرعون بالاستهانة واللامبالاة: ( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ . قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ . وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) (الأعراف:124-126) .
فكانت أغلى أمانيهم أن يموتوا على الإسلام، وأن يلقوا ربهم على التوحيد الخالص؛ فصمدوا أمام هذه التهديدات، ولم يبالوا أن يفارقوا الحياة طالما لم يفارقوا الإيمان ولم يفارقهم الإيمان.
- الصمود والثبات على الدعوة لدين الله:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ... ) (متفق عليه) .
فانظر إلى صمود هؤلاء الأنبياء، وثباتهم على دعوة الخلق للدين والإيمان على الرغم مِن قلة المستجيبين، ولكن ما أثناهم ذلك عن الاستمرار في دعوتهم، وإن لم يستجب أحد!
فهذا نوح -عليه السلام- ما آمن معه إلا قليل مع طول الفترة الدعوية التي قضاها نوح -عليه السلام- في دعوة قومه، على الرغم مِن الحماقات والسفاهات والجهالات التي كان يُقابل بها مِن قومه، ولكن انظر إلى صموده وثباته على دعوته؛ ما أثناه ذلك، وما تراجع عن دعوته ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ) (نوح:5-9) .
صمود وثبات الصحابة -رضي الله عنهم-: