تزكية النفوس وسلامة القلوب مِن أسباب النصر
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عني الإسلام عناية عظيمة بتزكية النفوس، وتطهير القلوب مِن الأمراض والآفات، بل كان ذلك مِن مقاصد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ) (آل عمران:164) ، فكان -صلى الله عليه وسلم- يعمل على تطهير النفوس مِن الشرك، والنفاق، والمعاصي، والأمراض الكثيرة التي يُصاب بها كثيرٌ مِن الناس: كالرياء والحقد، والحسد، والكبر، والعجب، والتنافس على الدنيا، وسوء الظن، وغير ذلك.
- قال ابن رجب -رحمه الله-: "ولم يكن أكثر تطوع النبي -صلى الله عليه وسلم- وخواص أصحابه، بكثرة الصوم والصلاة، وإنما ببرِّ القلوب وسلامتها ومحبتها، وتعلقها بالله؛ خشية له، وتعظيمًا له، وإيمانًا به وإجلالاً" (لطائف المعارف) .
وهذه العناية العظيمة بتزكية النفوس، إنما كان لها هذه المنزلة في دين الله -تعالى-؛ لما لها مِن أثر عظيم في نجاة الفرد والمجتمع، ولما لها مِن دورٍ رئيسي في جلب النصر، وحصول التمكين.
ولا أدل على ذلك: مِن أن الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- تأخر عليهم النصر في غزوة "حنين" لعُجْبٍ عَارِض كاد أن يكون سببًا في هزيمتهم -فالعجب يحبط العمل ويفسده-، حيث قال بعضهم معجبًا بكثرة عدد المسلمين: "لن نغلب اليوم عن قلة!"؛ فأنزل الله: ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) (التوبة:25) .
فأفادت الآية الكريمة أن مِن أسباب الهزيمة وتأخر النصر: الخلل في أعمال القلوب، ووجود أمراضها، كما حذر -سبحانه- مِن التنازع والاختلاف الذي يؤدي إلى الفشل والهزيمة، فقال -تعالى-: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) (الأنفال:46) .
وفي غزوة "أُحُد" كانت إرادة الدنيا مِن بعض الصحابة سببًا في حصول الهزيمة: قال الله -تعالى-: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران:165) ، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "مَا كنتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى نَزَلَ فِينَا مَا نَزَلَ يَوْمَ أُحُدٍ: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) (آل عمران:152) ".
فبقدر إخلاص القلوب لله، وسلامتها مِن الأمراض والآفات بقدر ما تنال مِن توفيق الله -تعالى-، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ( إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا؛ بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .
أما عن سبيل تزكية النفس وسلامة القلب:
فإن هذه النفوس غير الزكية، لا تطهر ولا تُزكى إلا بآيات الله -عز وجل-، وما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (الإسراء:82) ، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله مِن سائر الأدواء والأمراض، فكان يقول: ( اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا ) (رواه مسلم) ، وكان مِن دعائه الشريف: ( وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "ومِن أنفع العلاجات لأمراض القلوب: قيام الليل، والخشوع في الصلاة، وكثرة النوافل والدعاء ".
نسأل الله أن يزكي نفوسنا، ويطهر قلوبنا، وأن ينفعنا وينفع بنا.