دروس مستفادة مِن رحلة الحج (1)
إيهاب الشريف • من نور الوحيين
وجعل قيام دين الناس ببقائه : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ) (المائدة:97) .
ولا يقضون منه وطرًا رغم كثرة ترددهم إليه: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (إبراهيم:37) ؛ لذا وجب على العباد قصد هذا البيت بالتوجه إليه في الصلاة، وبالحج والعمرة لمن استطاع، فالحج الركن الوحيد الذي لا يُؤدى إلا في مكانٍ محددٍ بخلاف أركان الإسلام الأخرى.
ولعل ذلك لهذه الحكمة المتقدمة، ثم ما يكون مِن المنافع التي يشهدها الناس، ومِن أجلها التقاء هذه الأعداد الغفيرة مِن المسلمين في هذه البلدة، وحصول التعارف والتآلف، وتذكير العباد بأصول هذا الدين التي لا قيام له إلا بها: كتوحيد الله -تعالى- ونبذ الشرك، والقيام بحقوق العبودية، والاتباع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا كله ظاهر في المناسك.
علمني الحج: قيمة الدعاء وأهميته وأثره في حياة المسلم، فالمناسك كلها تقريبًا أدعية، فيوم "عرفة" الذي هو ركن الحج الأعظم كله دعاء، بل كان قصر الظهر والعصر وجمعهما؛ تفرغًا للدعاء!
ومِن شدة اعتناء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالدعاء في ذلك اليوم، تمارى الصحابة في حاله: هل هو صائم أم لا؟ حتى أرسلت له أم الفضل بنت الحارث شيئًا مِن اللبن، فشربه -صلى الله عليه وسلم-، وفي الطواف دعاء، وعند الصفا والمروة وأثناء السعي دعاء، وبعد رمي الجمرات (الصغرى والوسطى) دعاء كقدر سورة البقرة، فماذا بقي؟!
علمني الحج: خطر وأهمية عقيدة الولاء والبراء، وضرورة التركيز عليها؛ إذ حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- في المناسك على مخالفة المشركين، ففي التلبية كانوا يقولون: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" ثم يزيدون: "إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك!"، فكانوا إذا انتهوا إلى هذه الزيادة، قال لهم: ( وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ ) (رواه مسلم) . أي اتركوا هذه الزيادة.
وكانوا لا يقفون بعرفة، يزعمون أن البقاء بمزدلفة كافٍ؛ لأنها مِن الحرم، وعرفة مِن الحل، فوقف -صلى الله عليه وسلم- بعرفة.
وكانوا لا ينفرون مِن مزدلفة إلا بعد شروق الشمس فخالفهم -صلى الله عليه وسلم- ودفع منها قبْل طلوع الشمس بعد ما أسفر الصبح جدًّا.
وكانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: لا نطوف في ثيابٍ عصينا الله فيها! فخالفهم ونهى عن التعري، وقال: ( وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ) (متفق عليه) ، وغير ذلك مِن صور المخالفة، والتي تدل دلالة واضحة على أهمية تثبيت هذا الأصل لدى المسلم، والذي صار باهتًا عند كثيرٍ مِن المسلمين حتى سوى البعض بيْن المسلم والكافر! وتلبس البعض الآخر بالكثير مِن المظاهر الشركية، وخالطوا المشركين في أعيادهم الكفرية، وتشبهوا بهم! فعلى الدعاة التركيز على هذا الأصل؛ سيما مع اشتداد الهجمة عليه هذه الأيام.
علمني الحج: أن الصبر لا غنى للعبد عنه في هذه الحياة، فمناسك الحج فيها الكثير مِن المشقة، وهي تعلِّم العبد الصبر وقوة التحمل، فمهما كان في المناسك مِن المشقة، فهي مع الاحتساب في ميزان الحسنات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لَكِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
وصدق مَن قال: مَن أراد الراحة ترك الراحة، فليس للعبد مستراح إلا في الجنة. قيل للإمام أحمد: "متى يذوق العبد طعم الراحة؟" فأجاب: "عند أول قدمٍ يضعها في الجنة!"، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (آل عمران:200) .
ودروس الحج وعبره كثيرة، لعلنا نكملها في مقال قادم -إن شاء الله-.