(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (20) بعض أحكام عقد الأمان (11)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
وَرَدَ في المَوسُوعة الكُوَيْتِيَّةِ أيضًا (ص 185- 188) تحت عنوان "مُسْتَأمن":
"شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْتَأْمِنِ وَعَكْسُهُ:
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جِوَازِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ الْمُسْتَأْمِنُ وَغَيْرُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هَرِيرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَال: "لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ إِلاَّ أُمَّتِي؛ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ" (أخرجه البيهقي، وذكر في إسناده راويًا ضعيفًا) ، وَلأَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- أَثْبَتَ لِلْمُؤْمِنَيْنِ شَهَادَةً عَلَى النَّاسِ بِقَوْلِهِ -عَزَّ وَجَل-: ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (البقرة:143) ، وَلَمَّا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَعَلَى الْكَافِرِ أَوْلَى، كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جِوَازِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ" (انتهى) .
"شَهَادَةُ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ: فَقَال الْجُمْهُورُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى الْجَوَازِ، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:
أ- شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْتَأْمن:
الأَصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَأْمِنِ مَعَ الذِّمِّيِّ فِي الشَّهَادَةِ كَحُكْمِ الذِّمِّيِّ مَعَ الْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ فَتُقْبَل شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْتَأْمِنِ؛ لأَنَّ الذِّمِّيَّ أَعْلَى حَالاً مِنَ الْمُسْتَأْمِنِ، لأَنَّهُ قَبِل خَلَفَ الإِسْلاَمِ وَهُوَ الْجِزْيَةُ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الإِسْلاَمِ مِنْهُ، وَلأَنَّ الذِّمِّيَّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ صَارَ كَالْمُسْلِمِ فِي قَبُول شَهَادَتِهِ عَلَى الْمُسْتَأْمِنِ.
ب- شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمِنِ عَلَى الذِّمِّيِّ:
بِنَاءً عَلَى الأَصْل الْمَذْكُورِ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمِنِ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَلأَنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْل دَارِنَا بِخِلاَفِ الْمُسْتَأْمِنِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَارِ الإِسْلاَمِ حَقِيقَةً، وَإِنَّهُ فِيهَا صُورَةً، فَكَانَ الذِّمِّيُّ أَعَلَى حَالاً مِنَ الْمُسْتَأْمِنِ.
ج- شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمِنِ عَلَى مُسْتَأْمِنٍ آخَرَ:
تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْل دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانُوا مِنْ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلاَ تُقْبَل" (انتهى) .
( قلتُ: الراجِحُ في مَسَائِل الشَّهَادَة: قولُ الحنفية في صِحَّةِ شَهَادَةِ الذِّمِّيِّ على المُسْتَأْمن، وشَهَادَة المُسْتَأْمن على مُسْتَأْمنٍ غَيْرِهِ، والله أعلى وأعلم).
"إِسْلاَمُ الْمُسْتَأْمِنِ فِي دَارِنَا:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ، وَلَهُ امْرَأَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَوْلاَدٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَمَالٌ أَوْدَعَ بَعْضَهُ ذِمِّيًّا، وَبَعْضَهُ مُسْلِمًا وَبَعْضَهُ حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمَ فِي دَارِنَا، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ فَيْءٌ.
أَمَا الْمَرْأَةُ وَالأَوْلاَدُ الْكِبَارُ فَلِكَوْنِهِمْ حَرْبِيِّينَ كِبَارًا، وَلَيْسُوا بِأَتْبَاعٍ لِلَّذِي خَرَجَ، وَكَذَلِكَ مَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ لَوْ كَانَتْ حَامِلاً لأَنَّهُ جُزْؤُهَا.
وَأَمَّا الأَوْلاَدُ الصِّغَارُ، فَلأَنَّ الصَّغِيرَ إِنَّمَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لإِسْلاَمِ أَبِيهِ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَتَحْتَ وِلاَيَتِهِ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ.
وَأَمَّا أَمْوَالُهُ فَلأَنَّهَا لاَ تَصِيرُ مُحْرَزَةً لإِحْرَازِ نَفْسِهِ بِالإِسْلاَمِ لاِخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ، فَيَبْقَى الْكُل فَيْئًا وَغَنِيمَةً.
وَأَمَّا لَوْ دَخَل مَعَ امْرَأَتِهِ وَمَعَهُمَا أَوْلاَدٌ صِغَارٌ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا: فَالصِّغَارُ تَبَعٌ لَهُ، بِخِلاَفِ الْكِبَارِ وَلَوْ إِنَاثًا، لاِنْتِهَاءِ التَّبَعِيَّةِ بِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ. وَلَوْ أَسَلَّمَ وَلَهُ أَوْلاَدٌ صِغَارٌ فِي دَارِهِمْ لَمْ يَتْبَعُوهُ إِلاَّ إِذَا خَرَجُوا إِلَى دَارِنَا قَبْل مَوْتِ أَبِيهِمْ" (انتهى) .
( قلتُ: الصحيح أن أولاد المُستأمن -الذي أَسْلَم- الصِّغار يصيرون مسلمين بإسلام أبيهم؛ لأن العبرة ليستْ بالدار، ولكن بثبوت إسلام أَحَدِ الوالِدَين، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على هذه المِلَّة؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسَانِه"؛ فكل مَن لم يجتمع وَالِدَاهُ -أو مَن يقوم مَقَامَهُما مِن الأقارب المُتَوَلِّين أَمْرَه- على تَنصِيرِه أو تَهْويدِه أو تَمْجِيسِه فهو مُسْلِمٌ -والله أعلى وأعلم-.
وكذلك الراجح في مسألة إحرازِ مالِه إذا أَسلَمَ -ولو كان مالُه بدار ِالحَرب-؛ فمالُ المُسلمِ مَعصومٌ بإسلامِه حيثُ كانَ -في دَارِ حربٍ أو دَارِ إسلامٍ-؛ فإذا ظُهِرَ على دَارِ الحَربِ وعُلِمَ عينُ مالِه؛ فالصحيحُ أنه مالُ هذا المُسلِم).
مَوْتُ الْمُسْتَأْمِنِ فِي دَارِنَا:
لَوْ مَاتَ الْمُسْتَأْمِنُ فِي دَارِنَا وَلَهُ وَرَثَةٌ فِي بِلاَدِهِ، وَمَالٌ فِي دَارِنَا، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرِكَتِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: