شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا تَجَرَّءُوا عَلَينا؟! (1)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وتَأَمَّلْ في حال المسلمين في هذه الفترة؛ فما حرَّكوا ساكنًا، بل ظَلَّ كُلُّ أميرٍ ومَلِكٍ مشغولًا بمُلْكِهِ ومَلَذَّاتِه وصراعاته، حتى الخليفةُ نفسُه -كما يذكر "ابن كثير"- أنه بينما كانت جاريةٌ تَرْقُصُ بيْن يديه إذ أصابها سَهْمٌ فَقَتَلَها!

وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ! "التتار" على أبواب "بغداد"، والملوك مشغولون بدنياهم، ورقص الجواري بيْن أيديهم! حتى دُخِلَت عليهم البلاد؛ فَقُتِلُوا شَرَّ قِتْلَةٍ، وقد نَصَحَ الخَليفَةَ وُزَرَاءُ السوء بالخروج إلى "هولاكو" بالهدايا والتُّحَفِ، فَقَبِلَ صاغِرًا؛ فأُهِينَ أعظمَ إهانةٍ، حتى قُتِلَ -رحمه الله وغفر له، ولجميع المسلمين والمسلمات-.

كذلك مَن تَأَمَّلَ أحوالَ "ملوك الطوائف" في "الأندلس" قبْل سقوطها الذريع في أيدي الفرنجة، وما فعلوه بأهلها مِن الظلم والقتل، وانتهاك كل الحرمات، وأعظمها فتنتهم عن دينهم؛ رأى كيف كانت الصراعات بينهم، ومولاتهم النصارى على بعضهم بعضًا، مِن أعظم أسباب الانهيار!

فالتنافس على الدنيا سبب البغي، والبغي سبب الاختلاف والفرقة، وهي سبب الضعف وذهاب الريح وتَسَلُّطِ الأعداء.

ولا علاج لذلك إلا بإخلاص النية لله -سبحانه وتعالى-، والتنافس على الآخرة، كما أمَرَنا اللهُ -سبحانه وتعالى- فقال: ( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) (الصافات:61) ، وقال: ( خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) (المطففين:26) .

فالتنافس على الآخرة لا يجلب حَسَدًا ولا حِقْدًا، ولا ضغائن ولا بَغْيًا؛ وإنما يثمر حُبًّا صادقًا، وتآلفًا وإخاءً، ووحدةً في الصَفِّ، وقُوَّةً أمام الأعداء.

والحقيقة: أن كثيرًا مما يجري بيْن الاتجاهات الإسلامية المعاصرة مِن اختلافاتٍ مريرةٍ -على المناهج والأفكار، والأولويات، والأعمال- سببه البغي، وحب الرياسة وكثرة الأتباع؛ وإلا لما أثمرت هذه الثمار المُرَّة في التعاملات التي تجري بيْن هذه الاتجاهات وأفرادها!

ومِن أعظم أسباب العلاج وأهمها: أن نعلم حُرْمَة المسلم، وحرمة البغي والاستطالة عليه أيًّا مَن كان، ما دام قد بقي في دائرة الإسلام ولم يخرج منها إلى الكفر، بل في حقيقة الأمر لا يبغي المسلمون على الكفار المُعَاهَدين، بل ولا على الحربيين؛ وإنما يعاملونهم بشرع الله -عز وجل-، والبغي قد نهى الله عنه ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) (النحل:90) .

فلنتعامل بشرع الله مع مَن عامَلَنا به، ومَن لم يُعَامِلْنا؛ فما عاقَبْتَ مَن لم يَتَّقِ اللهَ فيك بمثل أن تتقي الله فيه!

والحَذَرُ واجبٌ في تناول أحوال المُخَالِفِين مِن الوُقوعِ في الغِيبة باسم: "النصيحة!".

ومِن تَلَمُّسِ العَثَرات والفَرَحِ بالسَّقَطَاتِ تحت شعار: "بيان الحق!".

ومِن خديعة الشيطان بالتنافس على المنازل والرياسات الدنيوية تحت شعار: "الحرص على إمامة المُتَّقِين!".

ووالله إن النصيحة للمسلمين واجبة، وكشف الباطل وبيان الحق واجب، والحرص على إمامة المُتَّقِين مِن صفات عباد الرحمن -وإن لم تكن بالضرورة عن طريق الرياسة عليهم-؛ فكم مِن إمامٍ للمُتَّقِين وهو في زمرة المغمورين الخاملين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ ) (رواه مسلم) ، ولكن المشكلة الحقيقية في "النية والإخلاص"، والزهد الحقيقي في الدنيا، وترك البغي والاستعلاء.

وإلى مقال آخر -إن شاء الله- نستكمل فيه أسباب هذه المشاكل وعلاجها.

الصفحة السابقة