الاستخلاف والتمكين بيْن التهوين والتهويل
خالد آل رحيم • مع الدعاة
وذكر ابن عاشور -رحمه الله-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مكث وأصحابه بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون بالسلاح ويمسون فيه حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تغبرون إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم الملأ العظيم محتبيًا ليس معه حديدة"، وقد كان -وسيكون بإذنه تعالى-.
قال الشوكاني -رحمه الله- تعليقًا على إلقاء إبراهيم في النار: "سبحان مَن يجعل المحن لمَن يدعو إلى دينه مِنَحًا، ويسوق إليهم الخير بما هو مِن صور الضَّيْر!"، وهكذا التمكين لا يأتي إلا بعد البلاء والصبر على الطاعة.
ولذلك عندما سُئل الشافعي -رحمه الله- عن المرء: يمكن أم يبتلى أولًا؟ فقال: "لا يمكن حتى يُبتلى!".
ولهذا أشارت الآية الكريمة لشروط التمكين، وهي: الإيمان الكامل بكل معانيه، وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه، والحرص على الخير، وتحقيق العبودية الشاملة، ومحاربة الشرك بكافة أنواعه.
ثم ذكرت الآية لوازم التمكين، وهي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول، وهذا وعد الله، ووعده حق وواقع، ولن يخلف الله وعده؛ فالإيمان الذي يتحقق به الوعد هو الطاعة والاستسلام لأمره -تعالى- في الصغيرة والكبيرة، فلا يبقى معه هوى نفس ولا شهوة في القلب، ولا ميل عن الجادة والفطرة السليمة، ويدخل فيه توفير الأسباب والأخذ بها، وإعداد الجيل الذي سيحمل أمانة الاستخلاف؛ لأن الاستخلاف ليس مجرد الحكم والسلطان فقط، وإنما الاستخلاف يشمل إصلاح الأرض وتحقيق منهج الله -تعالى- فيها، والذي ارتضاه للبشر جميعًا، وهو المنهج الذي هو ضد الفساد، والقهر والاستعباد والظلم، وعدم تحقيق العبودية الكاملة لله -تعالى-، وقد وعد الله المؤمنين مِن عباده بقوله -تعالى-: ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ).
قال الشنقيطي -رحمه الله-: "اللام موطئة لقسمٍ محذوف، أي: وعدهم وأقسم في وعده ليستخلفنهم".
وقال العثيمين -رحمه الله-: "أي: يجعلهم خلفاء لغيرهم، ويخلفون غيرهم في الأرض، وكلمة الأرض المراد بها الجنس؛ ليست أرضًا واحدة معينة، بل أرض عامة -كل الأرض-، وذلك لأن الأرض أرض الله -تعالى- يورثها مَن يشاء مِن عباده".
وقال -تعالى-: ( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) .
قال ابن عاشور -رحمه الله-: "ليستخلفنكم في الأرض، وهذا دليل على الاستخلاف في غالب الأرض".
وقوله -تعالى-: ( مِنكُمْ ).
قال البقاعي -رحمه الله-: "( مِنكُمْ ): تصريحًا بأهل القرن الأول، ليكون ظاهرًا في إخراج المنافقين المتولين بالإعراض إشارة إلى أنهم لا يزالون في ذل وضعة، قال: ولما بشرهم بالتمكين أشار إلي مقداره في قوله: ( وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ) أي عظيمًا بمقدار الخوف" (انتهى) .
قال ابن عاشور -رحمه الله-: "فمتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما وضح لهم الشرع؛ تحقق وعد الله إياهم بهذا الوعد الجليل، ولهذا قال الله -تعالى-: ( يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) تعبيرًا للعبادة بهذه الحالة؛ لأن المشركين قد يعبدون الله -تعالى-، ولكنهم يشركون معه غيره" (انتهى) ، فالتمكين له أسباب وشروط وقواعد، ويريد رجالاً يقولون ويعملون ليكونوا مستحقين للتمكين، وحمل راية الأمة، والقيام على شئون الأرض جمعاء.
قال العثيمين -رحمه الله-: "فعبادة الله بدون إشراك، وأعلاها: التوحيد، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هذه أسباب النصر الحقيقية التي بها ينصر الله عباده" (انتهى بتصرف) .
أسأل الله -تعالى- أن يمكِّن لدينه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.