صفحات مِن ذاكرة التاريخ (34) الأحداث السياسية بيْن عبد الله بن الزبير ويزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
لم يستجب ابن الزبير لدعوة يزيد السلمية ورفض بيعته، وأقسم يزيد على أنه لا يقبل بيعة ابن الزبير حتى يأتي إليه مغلولًا (أنساب الأشراف للبلاذري) ، ولقد حاول معاوية بن يزيد أن يثني والده عن هذا القسم، وذلك لمعرفته بابن الزبير، وأنه سيرفض القدوم على يزيد وهو في الغل، وكان معاوية بن يزيد صالحًا تقيًّا ورعًا، يجنح للسلم ويخشى مِن سفك دماء المسلمين، وساند معاوية في رأيه عبد الله بن جعفر، ولكن يزيد أصر على رأيه، وحتى يخفف يزيد من صعوبة الموقف على ابن الزبير، فقد بعث بعشرة مِن أشراف أهل الشام، وأعطاهم جامعة مِن فضة، وبرنس خز (تاريخ خليفة ابن خياط، وتاريخ دمشق لابن عساكر) . وفي رواية أخرى: "أن يزيد بعث لابن الزبير بسلسلةٍ مِن فضة وقيد مِن ذهب" (الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم) .
وعند وصول أعضاء الوفد إلى مكة تكلم ابن عضاة الأشعري، وقال: "يا أبا بكر: قد كان من أثرك في أمر أمير الخليفة المظلوم -يعني عثمان بن عفان- ونصرتك إياه يوم الدار ما لا يجهل، وقد غضب أمير المؤمنين بما كان مِن إبائك مما قدم عليك فيه النعمان بن بشير، وحلف أن تأتيه في جامعة خفيفة لتحل يمينه، فالبس عليها برنسًا فلا ترى، ثم أنت الأثير عند أمير المؤمنين الذي لا يُخالف في ولاية ولا مال" (أنساب الأشراف للبلاذري) .
استأذن ابن الزبير الوفد بضعة أيام يفكر ويستشير، فعرض الأمر على والدته أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- فقالت: "يا بني عش كريمًا ومت كريمًا، ولا تمكِّن بني أمية مِن نفسك، فتلعب بك، فالموت أحسن مِن هذا" (أخبار مكة للأزرقي) .
ثم جاء رد ابن الزبير على الوفد بالمنع، وبعد ما أجاب ابن الزبير على الوفد بالمنع، قال لابن عضاة: "إنما أنا بمنزلة حمام مِن حمام مكة أفكنت قاتلًا حمامًا مِن حمام مكة؟ قال: نعم، وما حرمة حمام مكة: يا غلام ائتني بقوسي وأسهمي فأتاه بقوسه وأسهمه، فأخذ سهمًا فوضعه في كبد القوس ثمّ سدده نحو حمامة من حمام المسجد، وقال: يا حمامة، أيشرب يزيد الخمر، قولي: نعم. فوالله: لئن فعلت لأرمينك. يا حمامة أتخلعين يزيد بن معاوية وتفارقين أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتقيمين في الحرم حتى يستحل بك؟! والله لئن فعلت لأرمينك. فقال ابن الزبير: ويحك أو يتكلم الطائر؟ قال: لا، ولكنك يا ابن الزبير تتكلم، أقسم بالله لتبايعن طائعًا أو مكرهًا أو لتعرفن راية الأشعريين في هذه البطحاء (2) ، ولئن أمرنا بقتالك ثم دخلت الكعبة لنهدمنها أو لنحرقنها عليك. فقال ابن الزبير: أو تحل الحرم و البيت؟! قال: إنما يحله مَن ألحد فيه" (الأغاني للأصفهاني، وأنساب الأشراف للبلاذري) .
ثم قال ابن الزبير: "إنه ليست في عنقي بيعة ليزيد. فقال ابن عضاة: يا معشر قريش قد سمعتم ما قال: وقد بايعتم، وهو يأمركم بالرجوع عن البيعة" (عيون الأخبار لابن قتيبة) .
وأخذ ابن الزبير يبسط لسانه في تنقص يزيد، وقال: "لقد بلغني أنه يصبح سكرانًا ويمسي كذلك"، ثم قال: "يا ابن عضاة: والله ما أصبحتُ أرهب الناس ولا البأس، وإني لعلى بينةٍ مِن ربي، فإن أقتل فهو خير لي، وإن أمت حتف أنفي فالله يعلم إرادتي وكراهيتي لأن يعمل في أرضه بالمعاصي"، وأجاب الباقين بنحو جوابه. (أنساب الأشراف للبلاذري) .
ثم قال ابن الزبير: "اللهم إني عائذ ببيتك" (الطبقات لابن سعد) ، ولقَّب نفسه عائذ الله (الإصابة لابن حجر) ، وكان يسمَّى العائذ (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .
ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله -تعالى-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (تاريخ خليفة لابن خياط، ص214)، و(حلية الأولياء) بإسنادٍ حسن (1/ 330-331)، وقد علَّق محب الدين الخطيب على هذا فقال: "ابن الزبير أذكى مِن أن يفوته أن البيعة ليزيد بعد معاوية، وليست لهما معًا في حياة معاوية".
(2) حديث: "نِعْمَ الْحَيُّ الْأُسْدُ، وَالْأَشْعَرِيُّونَ لَا يَفِرُّونَ فِي الْقِتَالِ، وَلَا يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ" (الحديث ضعفه الألباني وشعيب الأرنؤوط).