كيف تحفظ القرآن؟
الشيخ ياسر برهامي • القرآن والذكر والدعاء
الحمد لله منزل الكتاب وهازم الأحزاب والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي تكفل له ربه بحماية القرآن بقوله جل شأنه: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرََأنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 16-19) وضمن له حفظه وصيانته بقوله جل شأنه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9) صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين ثم أما بعد:
خمس دقائق فقط :-
قبل أن تبدأ القراءة أعط نفسك خمس دقائق ....... خمس دقائق فقط ........
ادع الله فيها أن يفتح قلبك لتتلقى هذه الكلمات. ويزيح الغشاوة عن عقلك ليصل الدواء فيورث القلوب الشفاء. وتعمل هذه المعاني أثرها في روحك فتسمو في معالي الدرجات وترتقي إلى فردوس الجناب. ابدأ دعائك الآن.
قبل الكلام :-
نقول ما قاله بعض السلف (كل ما شغلك عن القرآن فهو شؤم عليك) بل العجيب أن بعضهم كان يعاب بعدم حفظه للقرآن ومن شواهد ما ذكره الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب في ترجمة عثمان بن عفان محمد بن أبي شيبة. قال ما نصه: (ثقة حافظ شهير، وله أوهام وقيل: كان لا يحفظ القرآن).
كل ما شغلك عن القرآن فهو شؤم عليك
نعم ..... إن حفظ القرآن فرض كفاية في الجملة. ولكننا نقول بتعيُّنه على طلبة العلم الملتزمين في عصرنا. فإذا تقاعس هؤلاء. فمن يسد الثغرة ويكف عن الأمة؟! بل إن حفظ القرآن مفتاح لطريق الحفظ والفهم. فقد ذكر عباس بن عبد الدايم المصري الكناني عن شيخ ضرير أنه أوصاهم بوصايا منها: وصيته لهم بكثرة القراءة. فقال: (أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه. فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ) قال: فرأيت ذلك وجربته كثيراً. فكنت إذا قرأت كثيراً تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي). (ذيل الطبقات الحنابلة: 2/98).
هيا بنا نطوف بين هذه الكلمات
لقد أكرم الله عز وجل هذه الأمة بالقرآن الكريم. وقد وصفه الله عز وجل بأوصاف عظيمة منها أنه هدى للمتقين (ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيْهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِيْنَ) (البقرة: 1-2) كما وصفه الله عز وجل بأنه روح تحيا به القلوب (كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوُحَاً مِّنْ أَمْرِنَا) (الشورى: 52). وهو الذي يهدي للطريق المستقيم ويحمل البشارات العظيمة للمؤمنين (إِنَّ هَذَا القَرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِيْنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرَاً كَبِيرَاً وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَا أَلِيْمَا) (الإسراء: 9-10) وهو الفرقان والنذير (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلّْعالمين نذيرا) (الفرقان: 1) كما وصفه الله عز وجل بأنه شفاء وهدى ورحمة ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم مَّوْعِظَةً مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدَىً وَرَحْمَةً لِلّْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57). وبالقرآن يُمَكَّن لنا في الأرض. ويبدل الله خوفنا أمناً، قال تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55). وهذه نصيحة غالية من الحسن البصري عليه رحمة الله: "يا بن آدم والله إن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك وليشتدن في الدنيا خوفك وليكثرن في الدنيا بكاؤك". أما حال المنافقين والكسالى فإن حالهم كما قال أوس بن عبد الله: " نقل الحجارة أهون على المنافقين من قراءة القرآن" ولتعلم أن حفظ القرآن والعمل به مما يزيدك رفعة وعلوا. كما ورد ذلك في الحديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) (رواه مسلم).
وحامل القرآن مقدم في الدنيا والبرزخ والآخرة
فتقديمه في الدنيا يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: (يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله.....) (رواه مسلم) وتقديمه في هذا المكان الشريف دليل على شرف منزلته. وأما تقديمه في البرزخ فيشهد له: ما كان من أمر الصحابة رضي الله عنهم عندما كثر القتلى عليهم في يوم أحد. فشق عليهم أن يدفنوا كل ميت في قبر. فاستأذنوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد فأذن لهم وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشرف على الدفن. فكانوا إذا جاؤوا بالأموات سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟) فإذا أشير إلى أحدهم أمر بتقديمه. (رواه البخاري)، وأما تقديمه وعلوه في الآخرة. فيشهد له قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل فإن منزلتك عند آخر أية تقرؤها) (رواه أحمد). وكفى بهذا الشرف فخراً ورفعة. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لحظة من فضلك
