نحن أولى بعيسى منهم تعليق على فيلم "شفرة دافنشي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
من باتفاق جميع الخلق أفضل من خير الصحــــاب أبي بكر ومن عمر؟
ومن علي ومن عثمــان وهو فتى من أمة المصطفى المختار من مدر؟
وإذا تقرر هذا الأصل وعلمنا أننا أولى بعيسى منهم، فالواجب علينا أن ننصر رسل الله ومنهم المسيح -عليه السلام-، وأن نذب عن عرضه وندافع عن سيرته، وقد يقول قائل: إن الذين ينتسبون إلى المسيح -عليه السلام- من النصارى ملايين من البشر، وهم يغلون فيه ويرفعونه إلى مرتبة الألوهية، إذاً فلنكِل مهمة الدفاع عن المسيح -عليه السلام- لهم.
والجواب: إن هؤلاء هم أول من ينبغي أن يـُدَافـَع عن المسيح من كذبهم وافترائهم، وادعائهم عليه أنه أمرهم بعبادته حتى يقضي الله بنزوله؛ ليرد هو على هذه الفرية بنفسه، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية، ثم إن هؤلاء النصارى قد تخلوا عن نصرانيتهم ودانوا بالعلمانية التي تسخر من الدين وتزدريه، وترى قصص الأنبياء ضرباً من الأساطير، وحتى لو صدقوا بوجودهم فهم عندهم ليسوا فوق مستوى النقد، بل والسخرية والاستهزاء، وهذا هو دينهم الحقيقي الآن، ولا يكادون يتذكرون دينهم القديم "النصرانية المحرفة" إلا عندما يتعلق الأمر بمحاربة المسلمين من باب لا يفل الحديد إلا الحديد، فلا يمكن مواجهة أصحاب عقيدة إلا بعقيدة مثلها وإن كانت عقيدة خربة، وإن كان أصحابها قد تخلوا عنها.
ومن ثمَّ فالنصارى هم الذين يتولون الآن مهمة الطعن في المسيح -عليه السلام- ولا يتصدى لكفرهم واستهزائهم في كل مرة إلا المسلمون -بفضل الله تبارك وتعالى-، ولكن هل اختلف الأمر فيما يتعلق بهذا الفيلم الأخير "شفرة دافنشي"؟! وقبل الإجابة على هذا السؤال نريد أن نلقي الضوء بسرعة على الشخصية المحورية في رواية شفرة دافنشي، ألا وهي "مريم المجدلية" فماذا قال كُتّاب الأناجيل عن المجدلية؟
إنها في زعمهم امرأة زانية جاء عيسى -عليه السلام- وقد همَّ اليهود بإقامة حد الرجم عليها، فقال لهم: "من كان منكم بلا خطيئة فليرجم بحجر" هذه القولة التي أصبحت فيما بعد شعاراً لكل ماجن داعي إلى الفجور، وهذه الواقعة إما أنها مكذوبة من أصلها، وإما أن عيسى -عليه السلام- طالبهم بتطبيق الحد كما أمر الله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور:2) ، بحيث لا يكون الأمر أن زانٍ شريف في قومه يقيم الحد على زاني ضعيف؛ فلما فضحهم عيسى -عليه السلام- انصرفوا عنها وتركوها، ولم يبقَ منهم مؤمنون يطبقون الحد كما أمر الله.
المهم أن كُتّاب الأناجيل جعلوا المجدلية بعد ذلك شخصية محورية في حياة المسيح وبعد رفعه -صلبه في زعمهم-.
ولكن ماذا قالت رواية "شفرة دافنشي" عن المجدلية؟
لقد غالبت الفطرة كاتب الرواية، وحصل لديه قناعة كبيرة ببشرية عيسى -عليه السلام-، ولكن الشيطان لم يمهله حتى يسلك الطريق الحق إلى هذه العقيدة الصحيحة من حيث المبدأ ألا وهو الدخول في دين الإسلام فأخذه إلى طريق الكذب والاختلاق على الأنبياء، ووجد في "المجدلية" ضالته المنشودة، فادعى أنه اطلع على مصادر تاريخية تفيد أن المجدلية كانت عابدة من عابدات بني إسرائيل، وليست بزانية كما زعم كُتّاب الأناجيل، وأن عيسى -عليه السلام- قد نجا من حادثة الصلب وعاش على الأرض حياة مستقرة تزوج فيها المجدلية، فصرحت الرواية بزواج المسيح -عليه السلام- من المجدلية بينما أشار الفيلم المأخوذ عنها إلى حصول اتصال جنسي دون تحديد هويته مع إشارات فهم منها بعض المحللين أن هذه العلاقة كانت زنا.
وزعمت الرواية أن هذا الزواج أثمر ذرية مازالت تتكاثر في أوربا، وأن جماعة سرية قد اطلعت على هذا السر ودخلت في حرب شرسة مع الكنيسة من أجل إطلاع الناس على الحقيقة، ولم يتمكن الفنان دافنشي -أحد أعضاء هذه الجماعة التي تعرف السر- إلا من رسم الشخص الذي بجوار المسيح في لوحة العشاء الأخير بصورة يبدو فيها أنه رجل بينما هو عند التدقيق امرأة، وهذه المرأة هي المجدلية "زوجة المسيح في زعم الرواية" أو "صديقته في زعم الفيلم".
وحيث إن الفكرة الرئيسية للرواية ومن ثمَّ الفيلم هي بشرية عيسى -عليه السلام-، فقد رأى البعض أنه ينبغي أن يشجع المسلمون نشر هذا الفيلم وتوسيع قاعدة مشاهدته، وهذا خطأ من وجوه:
الأول: بشرية المسيح ليست في حاجة إلى كذب وخيال لكي تثبت، ويكفي أن الله هو الحي القيوم والمسيح -عليه السلام- سبقه عدم ويعقبه موت، واحتاج إلى الطعام والشراب وقضاء الحاجة، والله هو الذي يصور الناس في الأرحام كيف يشاء، والمسيح -عليه السلام- بإجماع الملل صوِّر في رحم أمه مريم -عليها السلام-.
أننا كمسلمين لن ندافع عن الفيلم رغم التقائه مع العقيدة الإسلامية في قضية بشرية المسيح -عليه السلام-
الثاني: الرواية تناقض عقيدة رفع عيسى -عليه السلام- التي رواها القرآن (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) (النساء:158) ، والرواية تزعم أنه نجا من الصلب، ولكنه عاش بعد ذلك على الأرض وتزوج ومات وقبر.
الثالث: قضية زواج عيسى -عليه السلام-، سكت عنها شرعنا فالواجب أن نسكت عنها، وإن كان الميل إلى أحد الاحتمالات فهو الميل إلى عدم زواجه -عليه السلام-، لاسيما وأنه رُفع حياً إلى السماء وهذا يترتب عليه إن كان له أزواج وذرية أحكاماً فقهية لم ترد الإشارة إليها كما أن القرآن ذكر في مقام الاحتجاج على النصارى العوارض البشرية لعيسى ولو كان ذا زوجة لاحتج القرآن عليهم بذلك.
الرابع: إشارة الفيلم إلى أن هذه العلاقة لم تكن زواجاً لا شك أعظم جرماً وأكبر بهتاناً، ومعلوم أن الناس يشاهدون الفيلم ولا يقرؤون الرواية.
الخامس: إشارة الرواية إلى أن المجدلية على فرض كونها زوجة المسيح -عليه السلام- حضرت العشاء الأخير بالصورة التي يصورها النصارى أمر ينافي عصمة الأنبياء علماً بأن الحجاب كان مفروضاً على نساء بني إسرائيل.
