الشفا بطهارة بدن المصطفى (صلى الله عليه وسلم)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
(7) أما تسويغ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك له فلم يحصل لأن الأمر برمته حصل بغير قصد، وإنما قصد لإزالة الأذى عنه -صلى الله علسه وسلم- بفمه، فأراد أن يمجه فسبق إلى فمه، وأما ما وعد على ذلك من الفضل فلأنه أقبل على هذا الأمر الذي تكرهه النفوس وهو مص الدم بفمه حبا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا يدل على أن دمه -صلى الله عليه وسلم- كان من الناحية الحسية كدم غيره، وإلا لو كان له صفات مختلفة كعرقه لتسابق الناس على التبرك به، أو على الأقل التطيب به، ولما كان لمالك بن سنان -رضي الله عنه- كبير فضل في مصه لدم النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم يقول –رحمه الله-:
ومثله شرب عبد الله بن الزبير دم حجامته فقال -عليه السلام-: (ويل لك من الناس وويل لهم منك)، ولم ينكر عليه(8)...
(8) أما هذا فلا يصح.
ثم يقول –رحمه الله-:
وقد روى نحو من هذا عنه في امرأة شربت بوله فقال لها لن تشتكى وجع بطنك أبدا، ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم ولا نهاه عن عوده(9)...
(9) عدم نهي النبي –صلى الله عليه وسلم- لأي منهم عن العود لا حجة فيه لأن كل هذه الحوادث كانت بغير قصد، وأما عدم أمره أي منهم بغسل فمه فهو صالح للاحتجاج على طهارة هذه الأشياء منه -صلى الله عليه وسلم-، هذا فيما صح من هذه الأخبار، وأما ما لم يصح كحديث شرب الجارية لبول النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا حجة فيه على شئ أصلا لضعفه.
وإذا كانت إحدى طرق حديث شرب الجارية لبول النبي -صلى الله عليه وسلم- صالحة للتحسين، فإنه يكون فيها دليلان على طهارة بول النبي - صلى الله عليه وسلم-:
الأول: شرعي، وهو ما ذكره القاضي -رحمه الله- بعدم أمره -صلى الله عليه وسلم- لها بغسل فمها.
والثاني: واقعي، وهو أن الجارية قد اختلط عليها بول النبي -صلى الله عليه وسلم- بالماء، مما يدل -على فرض صحة الواقعة- على أنه لم يكن فيه من الصفات الخبيثة في لون ورائحة وطعم بول الآدميين.
ومتى صحح المصحح الحديث وقال بطهارة بول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما ذكره القاضي عياض -رحمه الله- عن بعض الشافعية، فلابد وأن يقول :"يتعبد النبي -صلى الله عليه وسلم- بمعاملة بوله وغائطه معاملة النجاسات على سبيل التشريع للأمة، إعمالا للأدلة الأكثر والأشهر والأصح، وهي معلومة مشهورة في أبواب قضاء الحاجة من كتب الفقه والحديث.
وهذا يفسر أن حتى القائلين بطهارة بوله -صلى الله عليه وسلم- احتجوا بالاحاديث التي تحكى أفعاله -صلى الله عليه وسلم- في باب قضاء الحاجة.
واعلم أن القول بطهارة بول النبي –صلى الله عليه وسلم- بهذا القيد السابق لا يترتب عليه كبير مشكله، حتى وإن كان مستنده ذلك الحديث المطعون في صحته، ولكن الشذوذ جاء في فتوى ذلك الذي زعم أن هذا الشرب كان على سبيل التبرك، بل وزعمه أن الصحابه -هكذا بصيغة الجمع- كانوا يتبركون -هكذا بصيغة المضارع التي تدل على الاستمرار- ببول النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن حديث الجارية ذاته يرد ذلك من وجوه:
أولها: أمره -صلى الله عليه وسلم- لها بإهراق البول.
الثاني: في الحديث ما يشعر أن التبول في الإناء من الليل وإهراقه بالنهار كان هو المتكرر منه -صلى الله عليه وسلم-، وأن واقعة الشرب وقعت خطأ في هذا اليوم فقط ولم تحدث قبله ولا بعده.
الثالث: أن الجارية نصت على أنها شربته خطأ لا قصدا، فضلا أن يكون هذا القصد هو التبرك.
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- لها أنها لا يصيبها سوء، فهذا من بركة دعائه لها -صلى الله عليه وسلم-، أو بخبر من الوحي أو لكون بوله -صلى الله عليه وسلم- غير مضر كبول غيره, وإن كان هو و الأمة تعامله معاملة النجاسة تعبدا, وهذا هو أقرب الوجوه فيما نرى لو صح الحديث، وأما مع ضعفه فلا حاجة لشئ من ذلك أصلا .
ثم يقول –رحمه الله-:
وحديث هذه المرأة التى شربت بوله صحيح ألزم الدارقطني مسلما والبخاري إخراجه في الصحيح، واسم هذه المرأة بركة واختلف في نسبها، وقيل هي أم أيمن وكانت تخدم النبي -صلى الله عليه وسلم-، قالت: " وكان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل فبال فيه ليلة ثم افتقده فلم يجد فيه شيئا فسأل بركة عنه فقالت قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم" ، روى حديثها ابن جريج وغيره وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ولد مختونا مقطوع السرة.
وروى عن أمه آمنة أنها قالت ولدته نظيفا ما به قذر، وعن عائشة -رضى الله عنها-: "ما رأيت فرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قط" ، وعن على -رضى الله عنه- "أوصاني النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغسله غيرى فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه" ، وفى حديث عكرمة عن ابن عباس -رضى الله عنهما- أنه -صلى الله عليه وسلم- نام حتى سمع له غطيط فقام فصلى ولم يتوضأ، قال عكرمة: "لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان محفوظا" (10)
(10) هذه الأمور مما أشار المصنف إلى ضعفها بتصديرها بصيغة التمريض"روى".
