شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في النصيحة (3)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

ونَقَلَ القُرْطُبِيُّ -رحمه الله- الإجماعَ على عدم صحة الإكراهِ على الزنا بالسجن، في حين اختلف العلماء في الإكراه على الزنا بالضرب الشديد والتهديد بالقتل؛ والصحيح جواز الإقدام عليه إذا لم يكن فيه انتهاك حرمة معصوم أو معصومة، قال -تعالى-: ( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النور:33) .

قال القرطبي -رحمه الله-: "أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَا انْتَهَاكُ حُرْمَتِهِ بِجَلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، وَيَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ في الدنيا والآخرة. واختُلِف في الزنا، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَفْعَلُ أَحَدٌ ذَلِكَ، وَإِنْ قُتِلَ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ فَهُوَ آثِمٌ وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْحَسَنُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الزنا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِمَنْ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ.

ثم قال: وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ فِي أَحْكَامِهِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا متى أُكْرِه الرجل على الزنا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يُحَدَّ، وَلَكِنْ أَسْتَحْسِنُ أَلَّا يُحَدَّ. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَمْ يُرَاعُوا الِانْتِشَارَ -يعني انتشار ذَكَرِه قبل الإيلاج-، وَقَالُوا: مَتَى عَلِمَ أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنَ الْقَتْلِ بفعل الزنا جَازَ أَنْ يَنْتَشِرَ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِ السُّلْطَانِ" (انتهى من تفسير القرطبي ج10، ص183-184) . وهذا هو الصحيح.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "تأمَّلْتُ المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المُكْرَه عليه؛ فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضعٍ على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضربٍ أو قيدٍ، ولا يكون الكلام إكراها" (انتهى مِن الفتاوى الكبرى) .

وإن كان قد ورد ما يدل على أن الوعيد المُحَقَّق إكراهٌ، كما قال مالك -رحمه الله-: "وَالْوَعِيدُ الْمُخَوِّفُ إِكْرَاهٌ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ، إِذَا تَحَقَّقَ ظُلْمَ ذَلِكَ الْمُعْتَدِي وَإِنْفَاذَهُ لِمَا يَتَوَعَّدُ بِهِ" (نقله القرطبي في تفسيره 10/ 190) .

قال القرطبي -رحمه الله-: "وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ تَوْقِيتٌ، إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ يُؤْلِمُ مِنَ الضَّرْبِ، وَمَا كَانَ مِنْ سِجْنٍ يَدْخُلُ مِنْهُ الضِّيقُ عَلَى الْمُكْرَهِ. وَإِكْرَاهُ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ مَالِكٍ إِكْرَاهٌ" (تفسير القرطبي 10/ 190) .

وقال القرطبي أيضًا: "أُكْرِهَ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَلَى الْفَاحِشَةِ بِالسِّجْنِ، وَأَقَامَ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ، وَمَا رَضِيَ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَشَرِيفِ قَدْرِهِ، وَلَوْ أُكْرِهَ رَجُلٌ بالسجن على الزنا مَا جَازَ لَهُ إِجْمَاعًا. فَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِذَا كان فادحًا فإنه يسقط عنه إثم الزنا وَحْدُّهُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- لَا يَجْمَعُ عَلَى عَبْدِهِ الْعَذَابَيْنِ، وَلَا يُصَرِّفُهُ بَيْنَ بَلَاءَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْحَرَجِ فِي الدِّينِ ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (الحج:78) " (تفسير القرطبي 9/ 187) .

ثم يأتي الحفاظ على الأعراض والفروج وما يتعلق بها في ضرورات الإنسان التي يَلزم الحفاظ عليها، والنصح للأهل والمجتمع، والبلاد والأُمةَّ في الحفاظ على ذلك؛ فالدعوةُ إلى الحجاب، ومنعُ الاختلاط المُحَرَّم ومُقَدِّمات الفواحش كُلِّها، وعقوبة مرتكبيها، والتحذيرُ مِن الزنا واللواط، وإقامةُ الحدود على فاعل ذلك، مِن النصيحة الواجبة للأمة في هذا الباب.

والواجب على المسلم أن ينصح لأهله وأُسْرَتِه ومَن تحت ولايته نصيحةً واجبةً في ذلك؛ ليمنع الفواحش ومُقَدِّمَاتِها، وهو في الحقيقة ناصحٌ أيضًا لمُجتمعه ووطنِه؛ إذ أن الأعداء إنما يتمكنون مِن اختراق الأوطان بتدمير أخلاقِ أفرادِها وأُسَرِها واختلال العلاقة بيْن الرجل والمرأة؛ ولذلك وضعوا قِيَمَهُم الفاسدة في نشر الفساد في الأعراض على أولى أولوياتهم في حربهم ضد الإسلامِ وأهلِه.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة