شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (36) التدابير التي اتخذها يزيد ضد ابن الزبير

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحصين وابن الزبير، لم تصل إلى نتيجةٍ واضحةٍ بسبب وفاة يزيد بن معاوية وانسحاب

جيش الشام، ولكننا نشير إلى عدم رضا كثيرٍ مِن الصحابة عن معارضة ابن الزبير

وموقفه، وهذا يظهر جليًّا في موقف ابن عمر -رضي الله عنهما-، وهو أفضل وأفقه أهل

زمانه حيث إن يزيد بن معاوية -في نظره- يمثِّل الخليفة الشرعي للمسلمين، وأنه قد

أعطي البيعة؛ ولذا لا يجوّز الخروج عليه.

وقد كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يعلم نتائج معارضة ابن الزبير، حيث سيكون

هناك حربٌ و قتالٌ بيْن المسلمين، ويُقتل الناس تبتلى الأمة، وتُعَطّل الثغور ويتوقف الجهاد في

سبيل الله، إلى غير ذلك مِن المفاسد التي يعتقد ابن عمر أنها ستحدث لا محالة إذا

استمر ابن الزبير في معارضته.

ولكي

يصرف ابن عمر الناس عن مناصرة ابن الزبير فقد قال بأن قتال ابن الزبير إنما هو

لأجل الدنيا (المصنف لابن

أبي شيبة بسندٍ صحيح) ، وأخذ يخبر الناس ويحذرهم أن قتالهم ومناصرتهم

لابن الزبير إنما هو قتال على الملك فقط (البخاري مع الفتح (4513) كتاب التفسير، وأحمد المسند (5690)

وصحح إسناده أحمد شاكر) ، ولم يكتفِ ابن عمر بذلك، بل كان دائم

المناصحة لابن الزبير و يحذِّره مِن عواقب الفتن، وكان يعرّفه بأن نهاية هذه

المعارضة ستكون بائسة له (شرح

النووي على مسلم) .

ولا شك أن كلام ابن عمر وموقفه في الفتن يستحق التوقف والتدبر للخروج بحصيلةٍ

علميةٍ راسخةٍ نستفيد منها في واقعنا المعاصر.

وهكذا

كان موقف ابن عباس -رضي الله عنهما-، وهو فقيه عالمٌ مفسّرٌ للقرآن، مِن أشد

المعارضين لموقف ابن الزبير، فلم يُنقل عنه أنه كان راضيًا عن ابن الزبير أو أنه

تعاطف مع معارضته، بل إنه لم يبايعه بعد وفاة يزيد بن معاوية، وكان يصرِّح بأنه

إذا كان تحت حكم بني أمية خيرٌ له مِن حكم ابن الزبير (البخاري مع الفتح 8/ 177) ،

ولم يكن راضيًا عن شخص ابن الزبير، ويفضِّل عليه معاوية بن أبي سفيان (المعجم الكبير للطبراني، والمصنف لعبد

الرزاق) ، بل وكان يحمِّله جزءًا مِن المسؤولية عن إحلال

القتال ببيت الله (البخاري

مع الفتح 8/ 177) .

وهكذا

كان موقف أبي برزة الأسلمي وجندب بن عبد الله البجلي -رضي الله عنهما-، و قولهم

جميعًا بأن قتاله مِن أجل الدنيا إنما كان بسبب النظرة إلى الفتن التي تجري بيْن

المسلمين في ذلك الحين، ويهدفون إلى تحذير كل مَن يلتحق، أو ينوي لانضمام لأيٍ مِن

الطائفتين.

ومراد هؤلاء الصحابة الذين نقلنا عنهم رأيهم في قتال ابن الزبير وأنه كان مِن

أجل الدنيا، هو تثبيط الناس عن الاشتراك معه، ومعرفتهم بأن النتائج التي ستترتب

على أي قتالٍ يحدث هي أعظم مِن المنفعة المرجوة بعده؛ فهذا

ابن عمر يترحم على ابن الزبير بعد أن قتله الحَجّاج، ويقول: "لقد كنتَ صوّامًا

قوّامًا تصِل الرّحم". و يقول أيضًا: "رحمك الله، لقد سَعِدَتْ أمة أنت

شرُّها!" (مسلم

بشرح النووي 16/ 99) .

ولا

شك أن هؤلاء الصحابة قد آلمهم تعريض ابن الزبير الحرم للقتال والحرب؛ لما له مِن

مكانةٍ وحرمةٍ، فهذا عمر -رضي الله عنه- يقول عن الحرم: "لو وجدتُ فيه قاتل

الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه!" (المصنف لابن أبي شيبة) .

وبالرغم مِن القتال الذي دار بسببه؛ إلا أن القتل الذي أصاب إخوته وأصحابه

وأصابه هو نفسه، فإنه مكفِّرٌ -بإذن الله- عما اقترف مِن الذنوب، ولذا قال ابن عمر

-رضي الله عنهما- مخاطبًا ابن الزبير وهو مصلوب: "أما والله

إني لأرجو مع مساوئ ما قد عملت مِن الذنوب ألا يعذبك الله" (أخرجه الحاكم في المستدرك) .

ثم

إن بعض الذين قاموا مع ابن الزبير -رضي الله عنهما- همْ مِن الصحابة الأجلاء،

فمعاذ الله أنهم قاموا وقاتلوا وقٌتِلوا مِن أجل الدنيا، بل لقد كان مقصدهم -رضي

الله عنهم- هو تغيير الواقع بالسيف، لمّا رأوا تحول الخلافة إلى وراثة وملك، ولقد

كان ابن الزبير -رضي الله عنهما- يهدف مِن وراء المعارضة أن تعود

الأمة إلى حياة الشورى، ويتولى الأمة أفضلها، وكان يخشى مِن تحول الخلافة إلى مُلك.

وكان

يرى -رضي الله عنه- أنه باستعماله للسيف وتغييره للمنكر بالقوة يتقرب إلى الله ويضع

حدًّا لانتقال الخلافة إلى ملك ووراثة، ولهذا لم يدعو لنفسه حتى توفي يزيد بن

معاوية (الطبقات لابن سعد) .

فهو

وإن أخطأ؛ فإنه مجتهد مأجور بلا أدنى شك.

ومع ذلك فإن التمسك بنصوص الكتاب والسُّنة بلزوم الجماعة، والتي تحذر مِن

شق عصا الطاعة، هو أولى مِن الذي أقدم عليه ابن الزبير وأهل المدينة؛

فكم مِن دمٍ أريق وامرأة ترمَّلت وطفلٍ تيتَّم، ومالٍ نُهِب وأضيع، وغير ذلك مِن

المفاسد، وبما أن كل طرفٍ يقاتل ويرى أنه على حق؛ فلهذا سمَّى السلف معارضة ابن

الزبير فتنة (التاريخ

الكبير للبخاري، وتاريخ دمشق لابن عساكر) .

وذلك لأنه قتال بيْن المسلمين لا نفع مِن وراءه ولا خير، فالكل يقاتل عن

تأويل، ومع ذلك نقول كما قال الذهبي: "فليته

-أي ابن الزبير- كفَّ عن القتال لمّا رأى الغلبة، بل ليته ما التجأ إلى البيت.

نعوذ بالله مِن الفتنة الصَّـمَّـاء" (سير أعلام النبلاء للذهبي) .

الصفحة السابقة