العدالة مع "حزب العدالة"
محمد السعيدي • قضايا معاصرة
وكذلك لا يمكننا أن نقول: إن مقاصد الشريعة تبرر علاقات التصنيع الحربي المتبادلة بيْن تركيا والكيان الصهيوني، والتي يستقوي بها الصهاينة على أعدائهم العرب، ويقتلون الفلسطينيين المسلمين مِن أجل مكتسب رفع شعارات القدس والإسلام والتاريخ العثماني؛ فليس رفع هذه الشعارات مع اتخاذ البلاد مصنعًا حربيًّا لليهود سوى ثمن بخس تُشترى به عواطف الناس ثم تقتل به نفوسهم!
وهذا التناقض شديد الشبه بتناقضها في القضية السورية؛ فهي تُظهر الوقوف مع الشعب السوري المظلوم، ولها في ذلك حقًّا مواقف تُذكر وتشكر مِن إيواء اللاجئين واحتضان القيادات العسكرية والإعلامية للثورة، ولعلها تقدِّم شيئًا مِن الدعم المادي لهم "ليس لدي معلومات تؤكد ذلك أو تنفيه"؛ إلا أنها في الوقت نفسه أكبر داعم للنظام الإيراني الذي هو أكبر قاتل في سوريا! بل إن اللاجئين السوريين إلى تركيا أكثرهم ليسوا فارِّين مِن نظام الأسد، بل مِن جرائم الفصائل الإيرانية "حزب الله - وعصائب أهل الحق - وجيش القدس - و... "، وأثناء ضرب حلب مِن هذه الفصائل الإيرانية؛ قامت الحافلات التركية بنقل الناس مِن حلب الى تركيا بدلًا مِن مساعدتهم على الصمود، وكأنها تدعم القاتلين وتؤوي اللاجئين! بل إن الحكومة التركية التي تعادي الأسد هي الحليف الأول في المنطقة للنظام الروسي "الداعم الوحيد لبقاء نظام الأسد".
وبالرغم مِن هذا الإغراق في التطبيق العلماني، وهذه التناقضات في العلاقات السياسية مع الصهاينة وروسيا وإيران، يحاول إعلام حزب العدالة والمعجبون العرب به، تصوير كل ما يحدث له مِن مشاكل على أنها بسبب سياسة تركيا الإسلامية!
فانخفاض الليرة الذي هو أمر طبيعي يقع لكل الدول التي تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على التجارة، يحاولون تصويره على أنه في سياق حرب أوروبية على "أردوغان" -رهان المستقبل الإسلامي كما يتصورون!-، مع أن اليورو الأوروبي شهد حالات انتكاس بأكثر مِن ???، وليس ذلك لأن أوروبا حامية حمى الإسلام؛ لكن لأن اقتصادها تجاري فتشهد عملتها هزات مثل هذه بيْن الحين والآخر؛ واشتداد نقد الإعلام الأوروبي لأردوغان تم تفسيره على أنه بسبب الخوف مِن المارد التركي!
وأنا لا أنفي أن أوروبا ليس مِن صالحها نجاح تركيا ولا غير تركيا مِن دول العالم الإسلامي، لكن تصوير أوروبا وكأنها ترتعد اليوم مِن تركيا، وأن أردوغان هو سبب هذا الارتعاد لا يعدو كونه تسويقًا إعلاميًّا ساذجًا! لا أشك أنه سوف ينطلي على الملايين مِن داخل تركيا وخارجها.
والحقيقة: أن دول غرب أوروبا لو أرادت تدهور الاوضاع في تركيا فلن يكلفها ذلك أكثر مِن قرار مقاطعة المنتجات التركية، ووضع عقبات أمام السياحة الأوروبية إلى تركيا ليس أكثر.
فموقف الإعلام الأوربي مِن أردوغان ليس له علاقة بإسلامية تركيا أبدًا؛ بل له أسباب أخر، منها: حقوق الإنسان، وهو ملف تستخدمه دول أوروبا الغربية كثيرًا مع جميع الدول، فما بالك بدولة تعرض نفسها للانضمام للسوق الأوربي، وتعلن حالة الطوارئ لمدة عامين، ولا يقدِّم الحزب الحاكم في حملته الانتخابية وعودًا برفعها.
وما قلته في هذا المقال ليس عداءً لـ"حزب العدالة"، ولا الرئيس "رجب طيب أردوغان"؛ بل هو قراءة الصورة كما أراها، ومع كل ذلك فمِن وجهة نظر مراقب مِن بعيد، فإن حزب العدالة والتنمية وأردوغان هما الخيار الأنسب للشعب التركي، وهما القادران على العبور به في هذا المستقبل القريب؛ نعم هما الخيار الافضل لتركيا وحسب، أما أن يكونا خيارًا للأمة الإسلامية؛ فغير صحيح، ومحاولة الترويج لهذا المفهوم أمر خطير، وليس في صالح تركيا، ولا في صالح المسلمين.