شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (7)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رضي الله عنه-: "ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا؛ فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ: ( إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) (البقرة:158) ، ( أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ )؛ فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ). ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا" (رواه مسلم) .

استلام الحجر بعد ركعتي الطواف والشرب مِن ماء زمزم وقبْل السعي سُنَّةٌ ثَابِتَهٌ هَجَرَها أكثرُ الناس، ومَن عَجَزَ عن استلامه أشار إليه -كما هو المشروع في أثناء الطواف-.

ومِن فوائد الحديث: استحضار النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الآيات المتعلقة لكل نُسُكٍ وتلاوته لها؛ فقد قرأ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (البقرة:125) ، عندما أراد أن يُصَلِّيَ ركعتي الطواف، وقرأ: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) (البقرة:158) ، لما أراد أن يَسْعَى.

وبيَّن الأدب مع الله في قوله: ( أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ).

والسعي بيْن الصفا والمروة -وهو ركن في الحج والعمرة على الصحيح مِن أقوال أهل العلم- عِبَادَةٌ جليلة، يتبع فيها المؤمنُ أُمَّ إسماعيل -عليهما السلام-، وحالَها في كمال الافتقار والالتجاء إلى الله، مع الأخذ بالأسباب المقدورة، ومع كمال التوكل على الله وحُسْنِ تفويض الأمور إليه، وكمال حسن الظن بالله والرضى به رَبًّا مُدَبِّرًا مُعِينًا، والانقياد لأمره، وحسن الظن بأنبيائه ورُسُله، واليقين بوعد الله على ألسنة أنبيائه.

رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا- قَالَ: ( جاءَ إِبْرَاهِيمُ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- بِأُمِّ إِسْمَاعِيل وَبابنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِي تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى المسْجِدِ، وَلَيْسَ بمكَّةَ يَؤْمئذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ؛ فَوضَعَهَمَا هُنَاكَ، وَوضَع عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيه تَمرٌ، وسِقَاء فِيهِ مَاءٌ. ثُمَّ قَفى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقاً، فتَبِعتْهُ أُمُّ إِسْماعِيل فَقَالَتْ: يَا إِبْراهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بهَذا الْوادِي الَّذِي ليْسَ فِيهِ أَنيسٌ ولاَ شَيءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلكَ مِرارًا، وَجَعَلَ لاَ يلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ لَه: آللَّهُ أَمركَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَت: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنا، ثُمَّ رجعتْ.

فَانْطَلقَ إِبْراهِيمُ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- حَتَّى إِذا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حيْثُ لاَ يَروْنَهُ. اسْتَقْبل بِوجْههِ الْبيْتَ، ثُمَّ دَعَا بهَؤُلاءِ الدَّعواتِ، فَرفَعَ يدَيْه فقَالَ: ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) حتَّى بلَغَ: ( يشْكُرُونَ ).

وجعلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيل تُرْضِعُ إِسْماعِيل، وتَشْربُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وعَطِش ابْنُهَا، وجعلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يتَلوَّى -أَوْ قَالَ: يتَلَبَّطُ-؛ فَانْطَلَقَتْ كَراهِيةَ أَنْ تَنْظُر إِلَيْهِ، فَوجدتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جبَلٍ في الأرْضِ يلِيهَا، فَقَامتْ علَيْهِ، ثُمَّ استَقبَلَتِ الْوادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرى أَحدًا؟ فَلَمْ تَر أَحدًا. فهَبطَتْ مِنَ الصَّفَا حتَّى إِذَا بلَغَتِ الْوادِيَ، رفَعتْ طَرفَ دِرْعِهِا، ثُمَّ سَعتْ سعْي الإِنْسانِ المجْهُودِ حتَّى جاوزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المرْوةَ، فقامتْ علَيْهَا، فنَظَرتْ هَلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَر أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْع مرَّاتٍ. قَال ابْنُ عبَّاسٍ -رَضِي اللَّه عنْهُمَا-: قَال النَّبيُّ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: ( فَذَلِكَ سعْيُ النَّاسِ بيْنَهُما ).

فلَمَّا أَشْرفَتْ علَى المرْوةِ سَمِعتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: "صهْ" -تُرِيدُ نَفْسَهَا- ثُمَّ تَسَمَّعَتْ؛ فَسمِعتْ أَيْضًا؛ فَقَالتْ: قَدْ أَسْمعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدكَ غَواثٌ. فأَغِث. فَإِذَا هِي بِالملَكِ عِنْد موْضِعِ زمزَم، فَبحثَ بِعقِبِهِ أَوْ قَال بِجنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الماءُ، فَجعلَتْ تُحوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيدِهَا هَكَذَا، وجعَلَتْ تَغْرُفُ المَاءَ في سِقَائِهَا وهُو يفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرفُ. وفي روايةٍ: ( بِقَدرِ مَا تَغْرِفُ ). قَال ابْنُ عبَّاسٍ -رضِيَ اللَّه عَنْهُمَا-: قالَ النَّبيُّ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: ( رحِم اللَّه أُمَّ إِسماعِيل لَوْ تَركْت زَمزَم -أَوْ قَالَ: لوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ- لَكَانَتْ زَمْزَمُ عيْنًا مَعِينًا" قَال فَشَرِبتْ، وَأَرْضَعَتْ وَلَدهَا ).

الصفحة التالية