نعمة انشراح الصدر
زين العابدين كامل • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مِن أعظم نعم الله على عبده؛ نعمة انشراح الصدر.
وانشراح الصدر معناه: أن يشعر العبد بالسكينة والطمأنينة، والراحة والرضا والسعة، وعكس ذلك يكون الضيق والقلق والاضطراب، وقد قال -تعالى- ممتنًا على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) (الشرح:1) ، أي: جعل فيه نورًا، وجعله فسيحًا رحيبًا واسعًا، وقد طلب موسى مِن ربه -تعالى- أن يشرح له صدره فقال: ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) (طه:25-26) .
ومِن أعظم نعم الله على عبده أن يشرح صدره للإسلام والإيمان، قال -تعالى-: ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ) (الأنعام:125) ، وقال -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (الزمر:22) ، فأهل الهدى والإيمان لهم شَرْحُ الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والحرج.
وقد عقد ابن القيم -رحمه الله- فصلًا في كتاب "زاد المعاد" تحدث فيه عن أسباب شرح الصدور، ومِن هذه الأسباب التي ذكرها: "التوحيد"، فقال: "وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ، والشرك والضلال مِن أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه، ومِن أسباب انشراح الصدر: (النور) الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب، ومِن أعظم أسباب ضيق الصدر: الإعراض عن الله -تعالى-، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه؛ فإن مَن أحب شيئًا غير الله عُذب به.
ومِن أسباب شرح الصدر أيضًا: دوام ذكر الله على كل حال، وفي كل موطن؛ فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب، كما قال الله -تعالى-: ( ألا بِذِكْرِ اللّهِ تطْمئِنّ الْقلوب ) (الرعد:28 ) ، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه -والعياذ بالله-.
ومنها: الإحسان إلى الخلق ونفعهم، ففي الحديث: ( لَأَنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ, أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
ومنها: ترك فضول النظر، والكلام والاستماع، والمخالطة، وكثرة الأكل والنوم، والانغماس في أنواع اللهو، والتوسع في المباحات، ونحو ذلك" (انتهى مِن زاد المعاد بتصرف) .
فاللهم اشرح صدورنا، ونوّر قلوبنا، وأصلح أحوالنا.