تأملات في حجة الوداع (13)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
السادس: ما يَحكُم به كثيرٌ مِن رؤساء العشائر والقبائل مِن البوادي ونحوهم مِن حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم، يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به، ويَحُضُّون على التحاكم إليه عند النزاع؛ إبقاءً على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبةً عن حُكْمِ الله ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ! -( قلتُ: وهذا النوع مِثل الذي قَبْله، إلَّا أنه ليس مُسَجَّلًا في موادٍ قانونيةٍ، ولكنه محفوظ عند المُحَكَّمين في الجلسات العُرْفِيَّة، مع عِلمهم بمُنَاقَضتها لشرع الله، وإلزامهم بذلك؛ إيثارًا لِشِرْعَة آبائهم وأجدادهم على شِرْعَة الله -عَزَّ وَجَلَّ-)-.
- قال -رحمه الله-: "وأما القسم الثاني مِن قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يُخْرِج من المِلَّة، وذلك أن تَحْمِله شهوتُه وهَوَاه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حُكْمَ الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومُجَانَبَة الهدى؛ وهذا وإن لم يُخرجه كفرُه مِن المِلَّة فإنه معصية عُظْمَى، أكبر مِن الكبائر: كالزنى، وشُرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها؛ فإن معصيةً سَمَّاها الله كُفْرًا في كتابه أعظم مِن معصيةٍ لَم يُسَمِّها كُفْرًا" (انتهى) .
وللشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- مُحَدِّث الديار المصرية مِثْلَ ذلك أو قريبًا منه، أعني في النوع الخامس والسادس في الكفر الأكبر، وهو أن ذلك فيمَن أَلْزَم الناس في التشريع العام بغير شرع الله -عَزَّ وَجَلَّ-.
ولابد أن نُبَيِّن هنا أن التكفير في النوع المُخْرِج مِن المِلَّة هو في النوع أي الحكم العام؛ أما تكفير المُعَيَّن والفتوى بِرِدَّتِه فلابد فيه مِن استيفاء الشروط -شروط التكفير- وانتفاء موانعه، وأهمها: الجهل، والتأويل، والإكراه، والخطأ، والنسيان، وإهدار هذه الضوابط سبب خطير مِن أسباب الجرأة على التكفير وسفك الدماء، وتخريب البلاد والمجتمعات.
ولذا فهذه القضية -أعني قضية العذر بالجهل والتأويل والخطأ- ليستْ كما يظنها البعض مسألة فرعية أو تابعة لأصول الفقه؛ بل هي مسألة عَقَدِيَّة مَبْنِيَّة على أصلٍ عظيمٍ، وهو فرق بيْن أهل السُنَّة والمُعتَزِلة حول اشتراط قيام الحُجَّة الرِسَالِيَّة، وعدم الاكتفاء بالحُجَّة العَقْلِيَّة والتحسين والتقبيح العَقْلِيَّيْن الذي تقوله المعتزلة، وللأسف تسربت هذه البدعة إلى بعض المُتَكَلِّمين في هذا الباب في زماننا، وانتصروا لرأي المعتزلة مع أنهم محسوبون على دعوة أهل السُنَّة.
ولابُدَّ أن ننتبه إلى أن قول بعض المشايخ المُعاصِرين بعدم العذر بالجهل أو تَرَدُّد بعضِهم لا يُغَيِّر مِن حُكم المسألة شيئًا؛ فإنها مسألة مُجْمَع عليها عند أهل السُنَّة كما نقله ابن حزم في "الفِصَل"، وأَيَّدَه شيخ الإسلام ابن تيمية، بل كَرَّرَه مَرَّاتٍ عديدة يصعب حصرها في كُتُبِه، وذلك للأدلة الواضحة البَيِّنَة في هذه المسألة، والنَّافُون للعذر بالجهل والمُصَرِّحون بعدم لزوم الحُجَّة الرسالية في مسائل التوحيد، وأنه يكفي في ذلك ما ادَّعوه مِن الفطرة أو الميثاق الأول دون الحجة الرسالية هم أهل بدعة يجب التحذير منهم.
أما دَورنا في مقاومة "حكم الجاهلية" في مجتمعاتنا، فهو ما نتكلم عنه في المقال القادم -بإذن الله-.