شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (1) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الخروج إلى تبوك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

- الوقوف على الدروس والعِبَر الإيمانية والتربوية والدعوية الكثيرة التي اشتملتها القصة، في مواجهة ظاهرة التخاذل واستمراء الواقع المرير مِن بعض أبناء العمل الإسلامي.

المقدمة:

- هي القصة التي تُظهر عظيم تربية أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كانت ضمن أحداث غزوة تبوك، آخر غزواته -صلى الله عليه وسلم- والتي امتحن الله فيها الصحابة؛ كأن ذلك كان مِن باب طمأنته -صلى الله عليه وسلم- عليهم قبْل موته بأنهم مؤهلون لتحمل المسؤولية مِن بعده.

- إنها قصة الثلاثة الذين خُلفوا ثم تاب الله عليهم، وباسم توبتهم سُميت سورة التوبة، إشارة إلى عظيم قدر قصتهم.

- قصة عظيمة تظهر شهود حكمة الله في تقليب القلوب، فإن الثلاثة -رضي الله عنهم- منهم مَن شهد بدرًا، ومنهم مَن شهد العقبة، ومع ذلك لم تؤمن عليهم الفتنة.

- هذه القصة المليئة بالفوائد والدروس التربوية والدعوية والإيمانية؛ ولذا تناولتها كل المصادر الشرعية: القرآن والسُّنة، والأخبار والسِّير، وسوف نسير مع أحداثها مِن خلال هذه المصادر.

أولًا: الأخبار والسير:

- لماذا الأخبار والسِّير أولًا؟

الجواب: لبيان الظروف والأجواء المواكبة للقصة، حيث التعرض لغزوة تبوك التي هي سبب القصة، ولابد مِن الرجوع الى السيرة أولًا، فإذا استحضرنا ذلك بيْن يدي أخبار القرآن والسُّنة، تسنى لنا فهم ما جاء فيها جيدًا مِن خلال نقاط ثلاث.

1- سبب غزوة تبوك:

- كانت غزوة تبوك في السَّنة التاسعة بعد العودة مِن غزوة حنين بنحو ستة أشهر، والتي كانت بعد فتح مكة.

- كان للحدثين أثر كبير على مجريات الأحداث في الجزيرة وما حولها، فقد كان العرب ينتظرون نهاية الصراع بيْن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقريش، فلما كان فتح مكة، ثم سقوط آخر معاقل الوثنية يوم حنين، دخلوا في دين الله -عز وجل- أفواجًا.

- لكن كان هناك عدو آخر، يشكِّل أكبر قوة عسكرية على وجه الأرض يومئذٍ يراقِب الأوضاع، وهم الروم، فلما كان النصر للمسلمين جعلوا يتجهزون لغزو المدينة؛ للقضاء على قوة المسلمين، وذلك بالاستعانة بمتنصرة العرب (غسان - لخم - وجذام).

- الأنباء تصل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقرر الخروج لغزوهم في عقر دارهم، وعدم الانتظار لملاقاتهم فضلًا عن وصولهم المدينة؛ لما في ذلك مِن الأثر السيئ على الجزيرة التي انصبغت بدين الإسلام.

2- ظروف تجهيز الجيش:

- الإعلان والتصريح بالغزو، واستدعاء المسلمين مِن كل أنحاء الجزيرة مِن حول المدينة، واستنفارهم للخروج.

- النبي -صلى الله عليه وسلم- يشحذ همم المسلمين، والآيات تنزل مِن سورة التوبة تستنفرهم وتثير همتهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:38-40) .

- المسلمون يسارعون في الاستجابة ويتسابقون مِن كل جهة يقصدون المدينة، حتى اجتمع له ثلاثون ألفًا.

- ولكن... مِن أين سيكون تجهيز كل هذا العدد: (المراكب - السلاح - المؤنة) مع طول السفر (حوالي 1200 كيلو متر) ذهابًا وإيابًا وشدة الحر الذي يحتاج إلى الماء الكثير أثناء الطريق؟!

3- موقف المسلمين مِن ذلك:

- جعل الناس يأتون بصدقاتهم قليلها وكثيرها: (جاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة - وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله - وجاء أبو بكر بماله كله - وجاء العباس بمالٍ كثيرٍ).

- وأما عثمان بن عفان: فقد جاء بثلاثمائة بعير، مائة بعد مائة بأحلاسها وأقتابها، ثم جعل يأتي بالزيادة كلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يناشِد الناس حتى بلغت صدقته 900 بعير ومائة فرس، ثم جاء قبْل الخروج إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس فنثر في حجره ألف دينار، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقلبها وهو يقول: ( مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .

- وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتذر لبعض الناس الذين لا يجد ما يحملهم عليه: "كان البعير الواحد يتعاقب عليه 18 رجلًا" (الرحيق المختوم) ، ( وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) ( التوبة:92) .

- وجعل الناس يتتابعون في التصدق، حتى جاء بعضهم بمدٍّ مِن طعامٍ، حتى جعل المنافقون يتهمون الفريقين المكثر والمقل: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ? سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (التوبة:79) .

- وهكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو تبوك في ظروفٍ شديدة العسر؛ ولذا سميت: بـ"غزوة العسرة"، كما ذكرها الله في القرآن.

- في كل ذلك، لم يتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا المنافقون، وإلا ثلاثة نفرٍ مِن المسلمين الصالحين بغير عذرٍ، وهم الذين دارت حولهم القصة (قصة الثلاثة الذين خلفوا).

ثانيًا: حديث القرآن عن القصة:

الصفحة التالية