تأملات في حجة الوداع (15)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وإن اختلاف العلماء في فرضية تغطية الوجه أو استحبابه لا يَقدح في الإجماع المنعقد على أنه الأكمل للمرأة والأفضل والأحوط للدين، والأشبه بحجاب زوجات النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فإنهن بالإجماع كن مغطيات الوجوه وجميع البدن.
ولا يصح بحالٍ أن يُوصَّف النقاب بالإباحة؛ فضلًا عن الكراهية أو البدعية، أو التنطع في الدين! بل لا خلاف في مشروعيته وفضيلته، وأما الحرب عليه فهي في حقيقتها حرب على الحجاب كله، وحقيقتها دعوة للفساد والسير على خطى الغرب في تحويل العلاقة بيْن الرجل والمرأة إلى الحرام، لتصبح المرأة سلعةً فوق كل سلعة أخرى؛ فأنت ترى في الإعلانات المرأة المتبرجة -أشد مِن تبرج الجاهلية الأولى- فوق زجاجة المياه الغازية، وفوق كيس البطاطس المجهزة، وفوق السيارة والهاتف المحمول، والمساكن والمصايف، وكل الأطعمة والأشربة والملابس والطب، بل وفي كل شيء، ثم يزعمون أنهم يحرصون على حرية المرأة وحقها!
وهل حوادث التحرش -بل والاغتصاب- التي صار كشفها حمى في أوروبا وأمريكا اليوم، إلا نتيجة مِن نتائج التبرج والاختلاط المحرم خصوصًا مِن مشاهير الفن والسينما، والكرة والرياضة، والسياسة، وغير ذلك؟!
وقد أظهرت الفضائح التي ينشرونها في هذا الزمان القدر الهائل مِن هذه الجرائم في مجتمعاتهم، مع أنهم يزعمون أن الاختلاط يخفف مِن تلك الشهوات ويهيئ العلاقة الأخوية المزعومة بالباطل بيْن الشاب والفتاة!
وأما الدعوة إلى كشف ما زاد عن الوجه والكفين وخلع الحجاب بالكلية، فهي دعوة تُخالِف نَصَّ القرآن الصريح، قال الله -تعالى-: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور:30-31) ؛ ومُخَالَفة صريح القرآن المُجْمَع عليه معلومٌ حُكمُها للعامة والخاصة.
إن مِن أعظم أسباب الحفاظ على تماسك الأسرة: الالتزام بأحكام الشريعة فيما يتعلق بشكل التعامل بيْن الرجل والمرأة، والابتعاد عن كيد الشيطان بنزع الثياب وإبداء العورات، قال الله -تعالى-: ( يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) (الأعراف:27) .
إنَّ مِن أعظم أسباب زيادة نِسَب الطلاق في المجتمعات المعاصرة هي ظاهرة التبرج، والمواقع الاباحية، ومظاهر العفن فيما يسمَّى بالفن والأدب، وفي وسائل الإعلام؛ إنها تُدَمِّر الحياة الأسرية الساكنة، وتحكم بالفشل على العلاقة الزوجية الحميمة، وتزهد الزوجين كلًّا منهما في الآخر؛ فيتطلع كلٌّ منهما إلى غير ما أَحَلَّ الله له؛ فتنتهي الحياة الزوجية بالفشل الذريع.
إنَّ فَرض الاختلاط المحرم في المدارس والجامعات والمواصلات مِن أخطر مظاهر الجاهلية في المجتمعات؛ وإن الواجب على الحكومات ووُلاة الأمور الحفاظ على العِفَّة والطهارة والحجاب، والآداب الإسلامية، والنهي عن الفواحش والمنكرات والتبرج وكشف العورات في كل مكان، وتحريم العري، وعقوبة مَن يفعل ذلك؛ إذا أردنا سُمُوَّ الأخلاق في المجتمع، ونشأة الشباب مِن الجِنْسَين نشأة سَوِيَّةً مستقرة، في حياة سليمة قوامها الأسرة القائمة على السكينة والمودة والرحمة، البعيدة عن سبل التبرج والعلاقات المُحَرَّمَة.
نسأل الله أن يُعافي المسلمين والمسلمات مِن كل سوء.