هَمٌّ فحزنٌ فعجزٌ فكسلٌ
صوت السلف • من نور الوحيين
فانظر كيف رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- دعاءه لتقف معي على هذا السر البديع ممن أوتى جوامع الكلم. فالإنسان إذا اهتم بالدنيا حزن عليها. فأصابه العجز عن عمل الآخرة، فيولد ذلك الكسل فلا يريد الآخرة -والعياذ بالله-، وهذا هو ما رتب به النبي -صلى الله عليه وسلم- دعاءه فبدأ بالاستعاذة من الهم الذي يولد الحزن، وهذا الحزن يصيب صاحبه بالعجز، ومن ثم يصاب بالكسل. والله أعلم.
وعلاج العجز وضحه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (استعن بالله ولا تعجز) ، فيكون بالاقتصاد التام، والانكسار الكامل والاستعانة المطلقة بالله، ولا يكون ذلك إلا بتمام اليأس من النفس وحولها وقوتها. والاعتقاد الجازم بمدى فقرها وعجزها وذلها لربها وخالقها.
فليس علاج العجز كما قد يظن هو بدفع مزيد الثقة في النفس ورؤية كمالاتها، لا ليس كذلك، بل هو برؤية فضل الله وكمال غناه وعزه، وأنه عبد لهذا الرب الغني القادر العزيز، الذي بيده كل شيء، وإليه يرجع كل أمر، حينها يأخذ ربه بيده ويعلمه ويوفقه، ويرزقه القدرة والعمل، ولا يمنع ذلك أن يذكِّر نفسه بما منَّ الله عليه من قبل، ليعرف ما وهبه الله من كمالات فيشغلها ويحسن توجيها، حتى لا يصاب باليأس المقعد عن العمل، فالأمر وسط وهو بين طرفي نقيض، فلا يعجب بنفسه وينسب لها كل كمال، ولا ييأس منها بحيث يترك العمل.
- وأما الكسل وهو عدم إرادة الآخرة، وتسويف عمل الآخرة، فسببه أن الإنسان قد يأتيه أرادات الخير والصلاح، فيردها ولا يريدها، ويعجز عنها فيعاقب بتقليب القلب، فلا يريد الآخرة، ولا يسعى لها كما قال الله -عز وجل-: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام:110).
فهؤلاء قد عوقبوا بتقليب القلوب والأبصار عن الحق والإيمان؛ لأنهم جاءهم منادي الإيمان أول مرة فردوه، ولم يستجيبوا له كحال أغلب الناس اليوم، نجد قلوبهم مليئة بإرادات الدنيا وشهواتها، وليس في قلوبهم إرادة للخير، بل نجدهم قد يحاربون الخير، وتنتكس قلوبهم، فيرون المعروف منكراً والمنكر معروفاً، نجدهم كما وصفهم النبي –صلى الله عليه وسلم- عالمين بأمر الدنيا، أجهل ما يكون بأمر الآخرة، يحقرون العظيم وهي الآخرة، ويعظمون الحقير وهى الدنيا.
وكل الخلق -نعمة من الله وفضلاً، وإقامة للحجة عليهم- قد أتاهم هذا النداء، نداء الإيمان والحق، لكنهم قتلوا هذا النداء في قلوبهم، ولم يستجيبوا له، فعقوبوا بصرف قلوبهم عن إرادة الآخرة، فإرادة الخير في نفسك هي نعمة من عند الله يجب عليها شكرها بالاستجابة السريعة الفورية لها، حتى لا تعاقب بزوال هذه الإرادات من قلبك، وتستبدل بإرادات الدنيا وشهواتها، وتكسل عن عمل الآخرة.
فإذا أتتك بادرة الخير من صلاة أو صيام أو زكاة وغيرها من الطاعات، وحدثتك نفسك بها فبادرها، واستغلها، ولا تتكاسل عنها، واستجب لنداءات ربك في كتابه: (وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133).
وصلِّ اللهم وسلِّم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
