سلوا الله العافية
سعيد السواح • التزكية
فقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنا أسمعهم إياه، فقالوا: إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلاً له عشيرة تحميه وتمنعه منهم إذا أرادوه بشر، فقال دعوني؛ فان الله سيمنعني ويحميني.
ثم غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى، وقريش جلوس حول الكعبة، فوقف عند المقام وقرأ -رافعاً به صوته-: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) .
ومضى يقرأها، فتأملته قريش وقالت: ماذا قال ابن أم عبد؟! تباً له، إنه يتلو بعض ما جاء به محمد.
وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، والدم يسيل منه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك. فقال: والله ما كان أعداء الله أهون في عيني منهم الآن، وان شئتم لأغادينهم بمثلها غداً: قالوا: حسبك، لقد أسمعتهم ما يكرهون.
فهل أسمعت أنت أحداً، وهل دعوت أحداً لدين الله -تعالى-؟ فما حالك إذا دعوت أحداً أو أنكرت عليه منكراً، فرمقك بعينه، أو أسمعك ما لا تحب، أو سفه كلامك فإنك لا تعود لهذه الكرة مرة ثانية!
فما كنت فاعلاً لو كنت في موقف ابن مسعود أكنت تتحمل ما تحمله في هذا الموقف؟ أكنت تستطيع أن تتلو على القوم من كلام ربك، وهم يتربصون بك الدوائر بل لا يتورعون أن يقوموا بقتلك.
(4) مصعب بن عمير -رضي الله عنه-:
كان مصعب -رضي الله عنه- أنعم غلام بمكة وأجوده حلة، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرمي من النعال (وهو نعل لا يلبسه إلا الملوك) وبلغ من كلف أمه أن يبيت وقعب الحيس عند رأسه (سمن وتمر تعجن وتأكل)، فلما أسلم مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، يقول سعد بن أبي وقاص: لقد رأيته جهد في الإسلام جهداً شديداً، حتى لقد رأيت جلده يتحشف (أي يتطاير).
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلما ذكره قال: (وما رأيت بمكة أحداً أحسن لمة، ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير)
قال خباب بن الأرت -رضي الله عنه-: "هاجرنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله -تعالى- فمنا من مضى في سبيله ولم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجلاه بدا رأسه".
فانظر أيها المسلم الحبيب
كيف ضحى بحياة الترف والرغد من أجل ذلك الدين، عادى قومه من أجل ذلك الدين، وحسبك أنه أول سفير في الإسلام حيث بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، قبل أن يهاجر إليها -صلى الله عليه وسلم-، فدخل أهلها الإسلام على يديه
فماذا فعلت أنت لهذا الدين؟ وما هي التضحيات التي ضحيت بها من أجل ذلك الدين؟ أم كنت من الذين يضحون بالدين من أجل قومك ومن أجل الدنيا؟
(5) أنس بن النضر -رضي الله عنه-:
الذي وفى بعهده الذي أخذه على نفسه مع ربه.
يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين؛ لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرن الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلون، قال: "اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء (أي الصحابة)، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (أي المشركين)"، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ -رضي الله عنه- فقال، يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال: فما استطعت يا رسول الله ما صنع.
قال أنس بن مالك -رضي الله عنه- كنا نظن أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) .
فقل بربك أيها المسلم الحبيب..
أكنت تقوى على فعل أنس بن النضر أم كنت الأعذار والمبررات، أتعلم ما معنى هذه الطعنات والضربات التي ما تركت جزءاً من جسده إلا وكانت به إصابة، فنقول لك كفى ببريق السيف فتنة، ماذا كنت صانعاً وقد رأيت الكفار يرفعون سيوفهم البراقة، ويعمدون ويحرصون في ذلك على قتلك.
ماذا كنت فاعلاً عندما ترى هذه النبل والسهام، وهي في طريقها لتستقر في بدنك؟
ماذا كنت فاعلاً وأنت ترى هذه الوجوه الكافرة التي هي أحرص على إقصائك من الحياة؟
أكنت فعلاً موفياً كما وفى أنس بن النضر -رضي الله عنه-؟
فلا نملك إلا أن نقول: (سلوا الله العافية)
ما هذه إلا بعض نماذج لجيل فريد اختاره الله -تعالى- لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولا إقامة دينه، فكانوا كما وصفهم الله -تعالى-: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) .
وعليك أيها الحبيب:
قبل أن تطوى هذه الصفحات أن تنظر: ما الدوافع التي جعلت هؤلاء يحملون أمثال هذه الشدائد دون توجع ودون مقامرة بدينه.
وانظر إلى حالك:
لماذا غابت عنا هذه الدوافع التي كانت عند الصحابة -رضي الله عنهم- فمن هنا يبدأ تصحيح المسار.
