السلفيون والعمل الصالح
محمود عبد الحميد • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالعمل الصالح سبب لولاية الله -تعالى-، وولاية الله تعني: النصرة والتأييد والتثبيت والتمكين والرعاية، قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: ( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا؛ فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي؛ لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي؛ لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ) ( رواه البخاري) .
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "المراد بولي الله: العالم، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته".
وقال الطوفي: "لما كان ولي الله من تولى الله بالطاعة والتقوى؛ تولاه الله بالحفظ والنصرة".
وقال الفاكهاني: "إن محبة الله للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل بعد الفرائض، أي: أنه إذا أدى الفرائض، ودام على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرها؛ أفضى به ذلك إلى محبة الله -تعالى-، فالمراد بالنوافل أن تقع ممن أدى الفرائض، لا من أخل بها، كما قال بعض الأكابر: "من شغله الفرض عن النفل؛ فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض؛ فهو مغرور".
وقد دل هذا الحديث على أن الله -سبحانه وتعالى- يدافع عن الذين آمنوا الذين يتقربون إليه بالفرائض ويتبعونها بالنوافل، وأنه -سبحانه وتعالى- يكفيهم عدوهم، فيعلن عليه الحرب، ومن حاربه الله؛ أهلكه، ففيه وعد بهلاك الظالمين والكافرين والمجرمين.
ويجيب الله -تعالى- دعاء هؤلاء العباد، ويعطيهم مسألتهم، ويسددهم في سمعهم وبصرهم وبطشهم ومشيهم، فبالله يسمعون، وبه يبصرون، وبه يبطشون.
وبين الله -تعالى- فضل الذين يعملون الصالحات، ويتمون العبادات التي أمرهم الله -عز وجل- بها، فقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (البقرة:277) .
فإذا عبد الإنسان ربه وأخلص له في العبادة؛ كان ذلك مانعًا من اتباع الشيطان له في المعاصي، قال -تعالى-: ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) (الإسراء:65) .
فالشيطان ليس له سلطان على قلوب عباد الله، وهذا من تأييد الله لعباده وحفظه لهم وحراسته لهم، وقال -تعالى- في يوسف -عليه السلام-: ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (يوسف: 24)
فالمخلصون لا سبيل للشيطان عليهم، والمخلصون هم الذين أخلصوا العبادة والمحبة والإجلال والطاعة والمتابعة والانقياد لنصوص الأنبياء، فيجرد عبادة الله من عبادة من سواه، ويجرد متابعة رسول وترك ما خالفه.
والعبادة كما قال شيخ الإسلام هي: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة"
فالصلاة والزكاة، والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتامى والمساكين وابن السبيل، والمملوك من البهائم والآدميين، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة".
وبهذا التعريف لا يمكن أن يخرج شيء من نشاطات الإنسان وأعماله عن مفهوم العبادات، ومن ذلك يتضح أن الدين كله داخل في مفهوم العبادة، والدين منهاج الله، جاء؛ ليسع الحياة كلها، وينظم جميع أمورها حتى أدب الطعام وقضاء الحاجة.
وهذا الفهم السلفي للعبادة هو الفهم العميق الذي حققت به الأمة في سالف عهدها ما حققته من معجزات في كل اتجاه، في حين كانت تمارس الأمة إيمانها الحق وعبادتها الحقة، وعندما كان الإخلاص في حسها جزأ من العبادة المفروضة على المسلم؛ حدثت إنجازات هائلة لم تكرر في التاريخ، ففي السنة الثالثة والتسعين من الهجرة -أي: في أقل من قرن من الزمان- كان المسلمون قد وصلوا بفتوحاتهم المشرق والمغرب، فوقف موسى بن نصير عند نهر اللورا في "فرنسا"، ودخل قتيبة بن مسلم "الصين"، وضرب عليهم الجزية، وهي سرعة مذهلة لا مثيل لها في التاريخ كله، ولم يكن الكسب هو الأرض التي فتحت، وإنما الكسب الأعظم هو القلوب التي اهتدت بنور الله، فدخلت في دين الله أفواجًا.
وما كانت الأمة لتقدر على دك صفوف الشرك واقتلاعها بمثل هذه السهولة وبمثل هذه السرعة، وما كانت لتقدر على إبراز تلك المثل الرفيعة التي أبرزتها في عالم الواقع من إقامة العدل في الأرض، والوفاء بالمواثيق، وشجاعة النفس والبطولة الفذة في ميدان الحرب والسلم، ولا أن تنشأ هذه الحضارة الضخمة؛ لولا هذا الإحساس العميق من أنها تنطلق من المفهوم السلفي للعبادة.
والعبادة في المفهوم السلفي لابد فيها من لزوم السنة؛ ليحفظ من شر النفس والشيطان دون الطرق المبتدعة، فإن أصحابها لابد أن يقعوا في الآصار والأغلال وإن كانوا متأولين، فلا بد لهم من اتباع الهوى، ولهذا سمي أصحاب البدع: أصحاب الأهواء.
فإن طريق السنة علم وعدل وهدى، وفي البدعة جهل وظلم، وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس.
