الثبات (1) أهمية الثبات وجوانبه (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- بلعام بن باعوراء: قال -تعالى- فيه: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ? ذَّ?لِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (الأعراف:175-176) .
- عبيد الله بن جحش (هاجر مع زوجته أم حبيبة -رضى الله عنها- إلى الحبشة، فتنصر هناك وارتد عن الإسلام): روي عن أمِّ حبيبة -رضى الله عنها-: "رأيتُ في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدين فلم أرَ دينًا خيرًا مِن النصرانية، وكنتُ قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات" (الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ الملوك والرسل للطبري) .
تنبيه مهم: هذا النوع لا يسقط فيه مَن خالط الإيمان أصول قلبه: ففي حديث أبى سفيان مع هرقل، قال: "وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ" (رواه البخاري) .
ثانيًا: الثبات على التزام تعاليم الإسلام:
والناس فيه كذلك على نوعين:
- النوع الأول: ملتزمون بتعاليم الإسلام في الجملة، لا يفرطون في الواجبات، ويتنافسون في المستحبات، ثابتون في مواجهة الفتن والمحن والمعاناة والغربة وإن خالفهم الناس، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (رواه مسلم) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ )، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ( بَلْ مِنْكُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي الطبراني، وصححه الألباني) .
- هم مستحضرون للسنن الشرعية والكونية على الدوام: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) (البقرة:208) ، ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:142) ، قال -تعالى-: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) (العنكبوت:2) ، قال -تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:155) .
صور مِن هؤلاء الملتزمين بتعاليم الإسلام:
- إشارة مجملة إلى ثبات الأنبياء والصحابة والصالحين على مرِّ الزمان، حيث سيأتي الكلام مفصلًا في عوامل الثبات.
- النوع الثاني: غير ملتزمين ولا ثابتين على تعاليم الإسلام، فهم يضعفون في الفتن ولا يجاهدون في المحن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) (رواه مسلم) .
صور مِن التراجع عن التزام تعاليم الدين:
- الإشارة إلى ظاهرة التراجع الديني والأخلاقي والعلمي وغيره في أوساط المتدينين، فضلًا عن عامة المسلمين.
- الإشارة إلى بعض الصور الواقعية مِن بيْن ما لا يحصى: يحكي أحد الدعاة عن صورٍ كثيرةٍ مِن التراجع عن التزام تعاليم الإسلام: "يقول: شخص كان فقيرًا مجتهدًا في العبادة وطلب العلم، فعمل في التجارة، ومع الوقت صار غنيًّا، فأختفى مِن المسجد تمامًا؛ تقول زوجته: أصبح يسهر الليل كله في متابعة التجارة والتجار وجمع المال، وينام النهار ويجمع الصلوات، فلما كنا فقراء كنا نقوم الليل ونصوم النهار، وأما الآن... !
وآخر كان فقيرًا يكد طوال يومه ثم صار تاجرًا وفتحت عليه الدنيا، فصارت أعماله ملؤها الرياء والسمعة، وغيرهم وغيرهم كثير، وهناك صور كثيرة لا تحصى عندي وعندكم وعند الناس مِن التراجع!".
نسأل الله السلامة والعافية، وهنا يأتي السؤال الذي لابد أن يتبادر إلى الأذهان جميعًا: ما هي الأسباب التي تؤدي إلى التراجع وعدم الثبات؟
هذا هو موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-: "أسباب التراجع عن الثبات".
فاللهم يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك.