دعوة للتأمل... (اليهود في القرآن المكي)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا يعد الصراع الحالي بين اليهود والفلسطينيين -ممثلًا في احتلال الصهيونيين لفلسطين والاستيلاء على المسجد الأقصى- أول صراع بين المسلمين واليهود، فقد شهد ظهور الإسلام في المدينة بعد الهجرة إليها وإقامة المجتمع الإسلامي الأول فيها تآمر اليهود على المسلمين وتكرار غدرهم بهم، رغم كل ما أبداه المسلمون مِن سماحة وتقبُّل لوجود اليهود معهم في المدينة رغم الاختلاف العقائدي، وهو ما لم يقدره اليهود وأساءوا التعامل معه بالغدر والخيانة، وإظهار الحقد والحسد!
وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قاد المسلمين في مواجهة غدر اليهود وخيانتهم ليتعلموا مِن نهجه معهم، كيف يكون التعامل مع اليهود إن بقوا على ما ينبغي أن يكونوا عليه كأهل ذمة داخل المجتمع الإسلامي -الذي يتقبل وجود أهل الذمة فيه-، وكيف يكون التعامل معهم، والحذر منهم إن نكثوا العهد ونقضوا الذمة؛ فقد جاء القرآن الكريم أيضًا ببيان حقيقة اليهود وأحوالهم إجمالًا وتفصيلًا، وهو ما كشف حقيقتهم أمام المسلمين بلا أي رتوش أو غموض، حتى لا ينطلي على المسلمين مكرهم وخداعهم، وهذا ما كان.
ولعل مِن عجيب هذا الأمر أن القرآن الكريم -بعكس ما لا يتوقعه الكثيرون- قد تكلم عن اليهود وكشف حالهم في آيات كثيرة مِن القرآن المكي قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة حيث كانت تعيش بعض القبائل اليهودية بين سكانها من الأوس والخزرج، تمهيدًا وتهيئة للمسلمين نفسيًّا بتعرفهم على طبيعة اليهود حتى قبل تفكير المسلمين في الانتقال حيث يعيش اليهود.
اليهود في القرآن المكي:
أشار القرآن المكي مبكرًا إلى بعضٍ مِن خصال اليهود السيئة منددًا بها، ولعل مِن وراء ذلك:
1- تحذير الأمة الإسلامية التي ستحمل أمانة تبليغ ونشر وحي الله -تعالى- للعالم مِن الوقوع فيما وقع فيه اليهود مِن قبْل مِن البغي والتحريف، والعصيان والاختلاف.
2- التمهيد للمرحلة القادمة مِن عداء اليهود للمسلمين، والتي لم يكن أحد في ذلك الوقت يتوقعها.
3- إشارة إلى أن الأمة ستحتاج إلى فهم ومعرفة خبايا اليهود وانحرافاتهم عبر تاريخها كله، فهذه القضية ليست قضية مرحلية يتعرض لها المسلمون في مرحلة لها ظروفها الخاصة ثم تنتهي وتندثر، ولكنها قضية ممتدة، ترتبط بما يغلب على اليهود في كل زمان ومكان من التحريف والتزييف وطمس الحقائق، ونسبة ما يفعلونه إلى الله -تعالى-، بأنه من دينه وشرعه.
4- قطع الطريق على اليهود بكشف حقيقتهم قبل الانتقال إليهم ومعايشتهم، فلا يظن أحد أن ما صدر من المسلمين في المدينة في مواجهة غدر اليهود وخيانتهم أمر مرحلي، يتعلق بيهود المدينة في ذلك الوقت دون غيرهم، لكنه انعكس بالتعميم من المسلمين على كل اليهود كرد فعلٍ للأحداث التي عاشوها مع يهود المدينة.
ويزيد الأمر وضوحًا أن اليهود أشاعوا بين العرب وقتها أنهم هم أهل الدين والعلم والكتاب وأتباع الأنبياء، واتخذوا ذلك وسيلة للاستعلاء على العرب، وقد غاب عن العرب الجوانب الخطيرة عن اليهود من تحريفهم للتوراة والكذب على الله والكفر به، وعصيان الأنبياء ومعاندتهم، بل قتل عدد من الأنبياء والإفساد في الأرض واللجوء إلى الحيل والدسائس وأساليب الغدر والوقيعة، فجاء القرآن بفضح ذلك كله، وجاء الإسلام إلى المدينة لينقذ الأوس والخزرج من شرهم.
وهذا ينبهنا إلى أهمية التأمل العميق والدراسة المتأنية للآيات المكية في القرآن التي تتحدث عن اليهود والمسلمون في مكة لم يتطلعوا إلى الهجرة للمدينة بعد، إلى جانب الآيات المدنية التي تحدثت عن اليهود بعد أن خالطهم المسلمون، وتعاملوا معهم في المدينة.
آيات مكية في اليهود:
وليس المجال مجال استقصاء لكل الآيات المكية التي تناولت اليهود وشرحها، ولكن نكتفي هنا بالإشارة إلى بعضٍ منها، للدلالة على ما ذكرناه:
بيان حال اليهود إجمالًا:
1- قال الله -تعالى- في سورة النمل: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (النمل:76-77) ، واستحضر أخي القارئ أن هذه الآية نزلت والمسلمون ما زالوا في مكة مستضعفين، واليهود في المدينة مع الأوس والخزرج متحالفين، يفتخرون بأنهم أهل كتاب ودين وعلم، ثم تأمل ختم الآية بقوله -تعالى- عن هذا القرآن وما يذكر فيه: ( وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ).
2- قال -تعالى-: ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) (الأنعام:146-147) .
وتأمل وصفهم بالبغي، والإشارة إلى أنهم سيسارعون بالإنكار والتكذيب، وهو ما كثر منهم بعد الهجرة إلى المدينة بالفعل، وتأمل هذه الأساليب في التأكيد: ( وَإِنَّا لَصَادِقُونَ )، باستخدام ( وَإِنَّ )، وضمير التعظيم ( نَا )، و"لام التأكيد"، وصيغة الجمع: ( َصَادِقُونَ ).
3- قال -تعالى-: ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (النحل:118) .
4- قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (يونس:93) .