الثبات (3) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
أسباب التراجع عن الثبات (2) (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- تكرير التنبيه على أهمية الثبات، والإشارة إلى مشقته على النفوس لا سيما في هذا الزمان.
- التنبيه على ما سبق مِن أن الأسباب على قسمين، داخلية وخارجية مع توضيح المقصود بكل منهما.
- التنبيه على أنه سبق الكلام عن ثلاثة أسباب داخلية، واليوم نستكمل الكلام عن بقية الأسباب الداخلية (2) .
(4) الاستعجال:
مرض عضال يجعل المتعجل إن لم تتحقق أهدافه بسرعة يتراجع وييأس ولا يثبت؛ لأنه لا صبر له، فتكون النتيجة انحرافًا منهجيًّا أو سلوكيًّا أو الاثنين معًا (3) ؛ فيكون كالمستجير مِن الرمضاء بالنار!
- الجهل بسنن الله الشرعية والكونية مِن أعظم أسباب شيوع هذا المرض: قال الله -تعالى-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (البقرة:214) ، وعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .
- الزرع لابد له مِن مراحل قبْل الحصاد، والبِنَاء لابد في بنائه مِن قاعدته قبْل قمته، وأنتَ عليك البذر وقد يحصد غيرك، وتؤسِّس قاعدة البناء ويرفعه ويشيده غيرك؛ فطريق التمكين شاق وطويل ولابد مِن الصبر: قيل للشافعي -رحمه الله-: "أيهما أفضل للرجل: أن يُمكَّن أم يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكَّن حتى يُبتلى" (وسيأتي في عوامل الثبات في عامل الصبر كثير مِن التفصيل).
(5) الغلو والتشدد:
مرض فتاك يُذهِب الثبات، لاسيما في أول الطريق؛ لأنه يفضي بصاحبه إلى الانقطاع وعدم المواصلة؛ وذلك لأن النفس مِن طبعها الملل، والإنسان ذو طاقة محدودة، فإن صبرَ أيامًا وشهورًا على التشدد والغلو، فإنه لا يصبر أكثر مِن ذلك. "يحكي أحد الدعاة عن صورٍ كثيرةٍ مِن التراجع عن التزام تعاليم الإسلام، يقول: أحدهم شاب كان يؤذن بصوت جميل حتى إنه كان يبكيني أحيانًا يوم الجمعة أثناء التأذين، فإذ به يتراجع دركة بعد دركة، حتى حلق لحيته وصار يشرب الدخان، وآخر حفظ القرآن وجوَّده، حتى قدمته ليصلي بالناس في صلاة التراويح والقيام، فإذا به يتراجع دركة بعد دركة، حتى ترك القرآن والالتزام، وصار يشاهد المسلسلات والأفلام، وآخر كان لا يخرج مِن المسجد إلا للنوم تقريبًا، ولقد رأيت والده ذات يوم وهو يصرخ في وجهه يأمره بالخروج مِن المسجد بعض الوقت لدراسته الجامعية، وهو يصر على عدم الخروج، وإذا به أيضًا يتراجع دركة دركة حتى حلق لحيته وهجر المساجد، وصاحب الشباب العابثين، وإن كان يحافظ على الصلاة، وآخر كان يقرأ في اليوم عشرة أجزاء مِن القرآن، بل كان في الاعتكاف يختم القرآن في يومٍ واحد، فإذا به يتراجع دركة دركة حتى صار لا يأتي المسجد إلا على فتراتٍ طويلةٍ، وقد هجر القرآن" (4) .
- الشرع ينهى عن الغلو بكل درجاته: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداه جمع: ( هَلُمَّ الْقُطْ لِي )، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: ( نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ ) (رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى- عنهم: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) (الحديد:27) .
- شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- جاءت بالتيسير ورفع الحرج والمشقة: قال -تعالى-: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ... ) (الأعراف:157) ، وقال -تعالى-: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (الحج:78) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا... ) (رواه البخاري) .
قال ابن المنير -رحمه الله-: "في هذا الحديث علمٌ مِن أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبْلنا أن كل متنطع في الدين منقطع" (فتح الباري) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ) قَالَهَا ثَلَاثًا. (رواه مسلم) .