التفسير الدستوري لمبادئ الشريعة (2)
طلعت مرزوق • قضايا معاصرة
ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو هما معًا؛ ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان؛ لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه مِن حفاظٍ على: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال (القضية رقم 29 لسنة 11 ق دستورية - جلسة 26 مارس 1994، والقضية رقم 6 لسنة 9 ق دستورية - جلسة 18 مارس 1995، القضية رقم 14 لسنة 21 ق دستورية - جلسة 11 مايو 2003).
تعقيب:
تقدير ما إذا كان الحكم الشرعي قطعي الثبوت والدلالة مِن عدمه، مسألة موضوعية خاصة بالمحكمة الدستورية العليا خاضعة لتقديرها وحدها، دون رقابة عليها مِن أحدٍ.
ومع ذلك نجد أن المحكمة العليا فسَّرت مبادئ الشريعة الإسلامية في القضية رقم 10 لسنة 5 ق دستورية بتاريخ 3 يوليه 1976 بأنها الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة.
ويُستفاد مِن الأحكام السابقة ما يأتي:
- لزوم رجوع المشرع إلى أحكام الشريعة.
- التزامه بالحكم الصريح إن وجِدَ، وبقواعد الاجتهاد في غيره.
- عدم جواز اللجوء لمصدرٍ آخر غير الشريعة.
- وجوب تغيير منظومة القوانين في مصر، لتكون في إطار القرآن والسُّنة، وأحكام المجتهدين مِن الأئمة والعلماء.
- وتلاحظ أن: قول المحكمة: "ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو هما معًا؛ ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها": داخل أيضًا في المبادئ، ولكنه خارج عن القطعيات؛ بيد أن قطعيات الشريعة لا تقتصر على قطعي الثبوت والدلالة فقط، بل تشمل أمورًا أخرى، منها: الإجماع، وقياس الأولى، وأحاديث الآحاد المتلقاة بالقبول.
فيُستفاد مِن هذا الحكم: امتناع الاجتهاد في قطعي الثبوت والدلالة، مع بيان قواعد الاجتهاد في غيره.
- المحكمة العليا فسَّرت مبادئ الشريعة الإسلامية بأنها الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة.
المادة رقم: 219 مِن دستور 2012م:
نصَّت المادة رقم: 219 مِن دستور 2012 على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المُعتبرة في مذاهب أهل السُنة والجماعة".
وتُعتبر هذه المادة مُفسِرة لمبادئ الشريعة الإسلامية الواردة بالمادة الثانية.
وكانت تهدف للتحرر مِن القيد الثاني الذي أعملته المحكمة الدستورية العليا بشأن النصوص القانونية المخالفة للأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معًا.
ويبدو أن سبب اعتماد المحكمة الدستورية العليا ذات التفسير السابق لصدور دستور 2012م في القضية رقم 4 لسنة 22 ق دستورية جلسة 2 يونيو 2013 هو أن المادة 219 لم تتعرض للقيد الأول: "النطاق الزماني لسريان تعديل المادة"، خاصة مع وجود المادة 222، والتي نصت على أن "كل ما قررته القوانين واللوائح مِن أحكام قبل صدور الدستور يبقى نافذًا، ولا يجوز تعديلها أو إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور" (القضية رقم 4 لسنة 22 ق دستورية جلسة 2 يونيو 2013).
بينما لم تذكر سببًا لذلك في القضية رقم 145 لسنة 27 ق دستورية، جلسة 12 مايو 2013م.
ويعزو البعض هذا إلى أن دستور 2012 لم يأتِ بجديدٍ مِن الناحية الموضوعية، وأن ما ورد في المواد: 2، 4، 2019 منه يتصل بالجانب الإجرائي، ومِن ثَمَّ يستمر قضاء المحكمة الدستورية العليا بضرورة التزام سلطة التشريع بالمبادئ والأحكام القطعية ثبوتًا ودلالةً باعتبارها مِن المبادئ العامة للقانون، بينما غيرها لا يُعد مصدرًا رسميًّا للقانون، وإنما هي فقط مصدر موضوعي للتشريع، خاصة وأن النص مُوجه للمشرِع، لا إلى الكافة، ولا إلى القضاء (يراجع الشريعة الإسلامية ومدى التزام سلطة التشريع باتباع مبادئها على ضوء نصوص 2012م - الشريعة الإسلامية مصدر رسمي للقانون أم مصدر موضوعي للتشريع؟ قراءة في نص المادة الثانية مِن الدستور، للدكتور سامي جمال الدين).
مع العلم بأن فريقًا مِن فقهاء القانون، وعلى رأسهم: الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي -رحمه الله تعالى- يرون أن مبادئ الشريعة الإسلامية تُمثل نوعين مِن المصادر، فهي تُعد أولًا مصدرًا موضوعيًّا؛ وخاصة مصدرًا تاريخيًّا.
وتُعد ثانيًا مصدرًا رسميًّا -بداهة- حيث إن النص عليها في الدستور كمصدرٍ للتشريع قد أسبغ على مبادئها - أي: الشريعة- صفة الإلزام.
ديباجة دستور 2014م:
نصت ديباجة دستور 2014م على أن: "نكتب دستورًا يؤكِّد أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وأن المرجع في تفسيرها هو ما تضمنه مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا في ذلك الشأن".
كما نصت المادة 227 على أن "يُشكل الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجًا مترابطًا، وكلًّا لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه في وحدةٍ عضويةٍ متماسكةٍ".
ولم تتعرض المحكمة الدستورية العليا لهذين النصين في أحكامها حتى كتابة هذه الكلمات فيما أعلم.